Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)مشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

كتاب الإحياء للغزالي: ما قيل في مدحه وما نبّه عليه العلماء

أبو حامد الغزالي

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مقدمة: كتاب عظيم الأثر

من أشهر كتب التراجم والأخلاق في تاريخ الإسلام كتاب «إحياء علوم الدين» لأبي حامد الغزالي، ألّفه بعد خروجه من بغداد وفي أثناء سنوات العزلة كما تذكر كتب التراجم. وقد انتشر انتشارًا واسعًا في الشرق والغرب، وصار عمدة عند كثيرين في الرقائق وتهذيب النفس، وهو كذلك مما كثر الكلام حوله في الثناء والنقد. ولهذا فإن الحديث عن الكتاب يتطلب حذرًا في بيان الدرجة، فليس كل ما في الكتاب صحيحًا ولا كله باطلًا.

بنية الكتاب

قسّم الغزالي كتابه أربعة أرباع: ربع العبادات، وربع العادات، وربع المهلكات، وربع المنجيات. ففي الأول بحث العلم والعقائد وأسرار الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج وتلاوة القرآن والأذكار، وفي الثاني آداب الأكل والنكاح والكسب والصحبة والعزلة والسفر والسماع والأمر بالمعروف والمعيشة، وفي الثالث عجائب القلب وآفات اللسان والغضب والحسد والدنيا والبخل وحب الجاه والرياء والكبر والغرور، وفي الرابع التوبة والصبر والشكر والخوف والرجاء والفقر والزهد والتوحيد والتوكل والمحبة والنية والإخلاص والمراقبة والمحاسبة والتفكر وذكر الموت. وهذا الترتيب أضفى على الكتاب شمولًا في تزكية القلوب.

من محاسنه

من محاسن الكتاب عنايته بأعمال القلوب، ونقده لعلماء السوء الذين يطلبون العلم للمنزلة، وبيانه آفات النفس. وللكتاب مواضع تأثرت بها أجيال، فاختصره العلماء وهذّبوه، فقد اختصره الإمام ابن قدامة المقدسي في «مختصر منهاج القاصدين» نقلًا عن ابن الجوزي الذي هذّبه أولًا في «منهاج القاصدين»، وكذلك صنع غيرهم. وهذا يدل على أن علماء كبارًا استفادوا من مادته مع تنقية ما فيه.

ما نبّه عليه العلماء

ومع ذلك فقد تتابع علماء معتبرون على التنبيه على أن في الكتاب أحاديث ضعيفة وموضوعة وحكايات لا أصل لها. فأفرد الحافظ العراقي (توفي سنة 806) كتابه «المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار» وبيّن فيه درجة أحاديث الكتاب، وقد ذكر فيه أن في الكتاب أحاديث لا أصل لها. وكذلك صنّف السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى» ذكر الأحاديث التي لم يجد لها أصلًا في الإحياء، وهي كثيرة، وأشار إلى أن الغزالي لم يكن متخصصًا في الحديث. وقد أقرّ الغزالي نفسه بقلة بضاعته في الحديث كما ينقل عنه المترجمون.

كما انتقد الكتاب عدد من العلماء من جهة العقيدة والتصوف، فقد نُقل عن الطرطوشي المالكي في رسالة له نقدٌ شديد للكتاب، ومن الأندلس كذلك ما وقع من إحراقه في عهد المرابطين بفتوى علماء، كما ذكرت كتب التاريخ. وأنكر ابن الجوزي ما فيه من الأحاديث الواهية والحكايات، وانتقد الذهبي وابن تيمية ما فيه من الفلسفة والتصوف المبالغ فيه، وإن أثنوا على جوانب أخرى منه. ولا نعدد هنا جميع الأقوال، لكن يكفي بيان أن العلماء بين مادح وناقد، وأن الإنصاف أن يُؤخذ بالنافع بعد التثبت.

كيف نتعامل مع الكتاب

في القرآن الكريم يرشدنا الله إلى التثبت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات]. وفي السنة ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع». وفي الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: «إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد، من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». فعلى قارئ الإحياء، كما على قارئ غيره من كتب الرقائق، أن يرجع إلى تخريج الأحاديث، فلا يحتج بحديث ضعيف في العقيدة والأحكام، وإنما يُقتصر على الصحيح والحسن.

عبرة المنهج

الدرس هنا منهجي أكثر منه تاريخي: فقد يكتب العالم العظيم كتابًا نافعًا في بابه، ثم يكون فيه ما يحتاج إلى تنقية. وليس من الإنصاف رد الكتاب كله لأجل بعض مواضعه، ولا قبوله كله لأجل مقام صاحبه. وقد أحسن العلماء الذين عنوا بالتخريج والتهذيب، فجعلوا الكتاب نافعًا لمن بعدهم.

قاعدة الأحاديث الضعيفة في الفضائل

يستند بعض من ينقل من الإحياء إلى قاعدة العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال. وقد اشترط الحافظ ابن حجر لذلك شروطًا ذكرها: ألا يكون الضعف شديدًا، وأن يندرج تحت أصل معمول به، وألا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يُحتاط. ومن العلماء من منع العمل بالضعيف مطلقًا كابن العربي المالكي، ومن المحدثين المعاصرين من تبنى هذا القول. فالمسألة خلافية، لكن الأمر الذي لا خلاف فيه أن الموضوع والشديد الضعف لا يجوز نقله إلا مع بيان حاله، وهو ما تنبه إليه العراقي في تخريجه.

وعلى هذا فالأولى لمن أراد أن يستفيد من الإحياء أن يقرأ الكتب المهذّبة منه، أو يقرأه وبين يديه كتاب العراقي، وألا يُسقط دروس التزكية لأجل ضعف بعض الأحاديث إذ الأصول ثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة.

بيان الدرجة

القصة هنا ليست حادثة واحدة، بل خلاصة تقويم الكتاب عند العلماء. وهي ثابتة من جهة وجود التخريج (للعراقي) والتنبيهات (للسبكي وغيره)، وتفاصيل ما نُقل عن الطرطوشي وإحراق الكتاب في الأندلس فمتفاوتة التوثيق في المراجع. وأما أحاديث الكتاب فمنها الصحيح والضعيف والموضوع، فلا يُحتج بها إلا بعد الرجوع إلى تخريج العراقي وأمثاله. والحديثان في صحيح مسلم وفي الصحيحين المذكوران أعلاه صحيحان.

العبرة

يُنتفع بكتب الرقائق بعد تخريج أحاديثها، فلا يُرد النافع لأجل ما فيه من ضعف ولا يُقبل الضعيف لأجل شهرة الكتاب.

المصدر: إحياء علوم الدين للغزالي؛ المغني عن حمل الأسفار للعراقي؛ طبقات الشافعية الكبرى للسبكي؛ سير أعلام النبلاء للذهبي؛ القرآن الكريم: سورة الحجرات؛ صحيح مسلم: مقدمة الصحيح، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع (حديث أبي هريرة)؛ صحيح البخاري ومسلم: حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في الكذب على النبي ﷺ.

الدرجة: ثابت أن العلماء مدحوا الكتاب وانتقدوه وخرّجوا أحاديثه، وفي الكتاب الصحيح والضعيف والموضوع فلا يحتج به دون تخريج؛ وتفاصيل بعض التنبيهات المنقولة عن الطرطوشي وإحراقه في الأندلس مختلف في توثيقها