مقدمة: مدينة مباركة في زمن الفرقة
بيت المقدس مدينة لها في الإسلام منزلة عظيمة، فهي أرض المسجد الأقصى الذي قال الله فيه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء]. وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، والمسجد الأقصى». وثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن أول مسجد وُضع في الأرض المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى، وبينهما أربعون سنة. وقد فتحها المسلمون في خلافة عمر رضي الله عنه، وبقيت بأيديهم قرابة أربعة قرون ونصف، حتى سقطت سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة للهجرة.
حال المسلمين عند الغزو
يصف المؤرخون كابن الأثير وابن كثير حال المسلمين في ذلك العصر بالفرقة والتنازع: فالخلافة العباسية في بغداد ضعيفة، والسلاجقة الذين كانوا يحمونها دب بينهم النزاع بعد وفاة ملكشاه، فتفرقت دولتهم بين أبنائه وإخوته، والخلافة الفاطمية في مصر تنازعها، وكان بين السلاجقة والفاطميين خصومة، وأمراء الشام يتنازعون فيما بينهم. وفي هذا الوقت زحف الصليبيون من أوروبا بعد دعوة البابا، فاستولوا على الرها وأنطاكية، ثم قصدوا بيت المقدس. وكان الفاطميون قد استعادوا القدس من يد الأرتقيين قبل ذلك بوقت قصير، أي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة على ما يذكر المؤرخون.
الحصار والسقوط
حاصر الصليبيون المدينة نحو أربعين يومًا، وبدأ الحصار في رجب سنة اثنتين وتسعين، ونصبوا المجانيق والأبراج، وكان الوالي الفاطمي افتخار الدولة في المدينة. ثم اقتحموها يوم الجمعة في أواخر شعبان من السنة نفسها، الموافق لأواسط يوليو سنة 1099م. ويذكر ابن الأثير أن الفرنجة قتلوا من المسلمين في المسجد الأقصى خلقًا كثيرًا، وأقام الناس تحت السيف نحو أسبوع، ونقل أن عدد القتلى في المسجد زاد على سبعين ألفًا. وهذا العدد من أرقام المؤرخين التقديرية التي تتفاوت فيها المصادر تفاوتًا كبيرًا، ولا نجزم به، فبعض المؤرخين المعاصرين يرون أن ذلك مبالغ فيه، لكن اتفقت المصادر الإسلامية والصليبية على وقوع مذبحة كبيرة. وذُكر أن الصليبيين أخذوا من الصخرة وغيرها شمعدانات ونفائس، وأن بعض أهل العلم والزهد ممن كانوا يجاورون الأقصى قُتلوا. وقد تتفاوت التفاصيل في كتب التاريخ، والأولى أن نقتصر على المتفق عليه.
وفد بغداد وغضب العامة
يذكر ابن الأثير أن القاضي أبا سعد الهروي وصل مع وفد إلى بغداد بعد سقوط المدينة، وجاء إلى ديوان الخلافة، وأبكى الحضور بكلامه، وتأثر الناس تأثرًا شديدًا، حتى ذُكر أن الفقهاء والعامة اجتمعوا يطلبون النفير، ووقعت الاحتجاجات في بغداد. لكن الأمر لم ينتهِ إلى نتيجة عملية، لأن السلاجقة كانوا منشغلين بصراعاتهم الداخلية بين بركيارق وأخيه محمد. وقد علّق ابن الأثير على الحدث بقوله إن مبدأ ظهور الفرنجة وتسلطهم على بلاد الإسلام كان منذ استيلائهم على بعض بلاد الأندلس وصقلية، وإنهم طمعوا لما رأوا تفرق المسلمين. وهذه ملاحظة تحليلية للمؤرخ تُنسب إليه، وهي معقولة في الجملة.
ما أصاب الناس وما علّمهم التاريخ
كانت صدمة السقوط شديدة في أنفس المسلمين، لكن الله أراد أن تكون سببًا في يقظة الأمة ببطء، فبدأ المسلمون يرجعون إلى فكرة الجهاد، ومنهم من ألّف في الجهاد كالسُّلمي الدمشقي الذي ألّف «كتاب الجهاد» ويُذكر أنه ألقى دروسًا في دمشق حول ذلك. وقد ذكر المؤرخون أن النهضة تأخرت عقودًا، حتى ظهر عماد الدين زنكي ثم ابنه نور الدين ثم صلاح الدين. وفي سنن الله في الأمم قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران]، وقد بيّن ابن كثير أن المراد بها التداول بين الناس للابتلاء والتمحيص.
وفي الحديث الصحيح ما يبعث على الثبات: قال النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» رواه مسلم من حديث ثوبان رضي الله عنه. وقد حمله كثير من العلماء على بقاء طائفة قائمة بالحق في كل زمان، ومنهم من ذكر أن منهم أهل الشام وبيت المقدس، وفيه أحاديث أخرى مختلف في درجاتها، فلا نعتمدها في هذا الباب.
ما صار إليه الأقصى في أيدي الصليبيين
يذكر المؤرخون أن الصليبيين حوّلوا المسجد الأقصى إلى مقرّ لفرسانهم، فسكنه فرسان الهيكل، وحوّلوا قبة الصخرة إلى كنيسة، وأقاموا مملكة لاتينية ببيت المقدس. ولبثت المدينة في أيديهم نحو تسعين سنة هجرية، حتى فتحها صلاح الدين سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، أي بعد إحدى وتسعين سنة من سقوطها. وهذه المدة بين السقوط والفتح مما يحسن أن يتأمله القارئ: فقد كانت سنوات من العمل الصابر قبل أن تتهيأ الأمة.
بيان الدرجة
سقوط بيت المقدس بيد الصليبيين سنة 492 هـ ثابت مشهور في كتب التاريخ الإسلامية والأجنبية. أما عدد القتلى فتقديري ومختلف فيه، وكذلك تفاصيل ما أخذوه من نفائس وما أصاب العلماء. وقصة وفد بغداد وبكاء الحاضرين مروية عند ابن الأثير ومقبولة في الجملة. والآيات والأحاديث الواردة في فضل الأقصى ثابتة في القرآن والصحيحين.
