مقدمة: ابن الشهيد
وُلد نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وكان أبوه زنكي أمير الموصل وحلب، الذي استعاد الرها من الصليبيين سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، ثم قُتل سنة إحدى وأربعين أثناء حصار قلعة جعبر. فتولى نور الدين حلب وما حولها، وكان أخوه سيف الدين غازي في الموصل. وقد كتب عنه ابن الأثير في «الباهر في الدولة الأتابكية» وأبو شامة في «الروضتين» وابن كثير في «البداية والنهاية»، وأثنوا عليه ثناءً عاطرًا، مع اختلاف في التفاصيل.
توحيد الشام والاستعداد
أدرك نور الدين أن مقاومة الصليبيين لا تتم والمسلمون متفرقون في دويلات صغيرة، فعمل على توحيد الشام. وفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة هاجم الصليبيون دمشق في الحملة الصليبية الثانية وفشل حصارهم، ثم ضم نور الدين دمشق إلى ملكه سنة تسع وأربعين بعد حصار واتفاق مع أهلها. وانتصر على الصليبيين في معركة حارم سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وهي من انتصاراته المشهورة، كما حرر أجزاء من شمال الشام. وتفاصيل هذه الأعوام يختلف فيها المؤرخون في سنة أو سنتين، فاعتمدنا ما اتفقت عليه الكتب.
العدل ودار العدل
تكاد كتب التاريخ تُجمع على وصفه بالعدل والزهد. فأسّس دارًا للعدل في دمشق يجلس فيها للنظر في المظالم، ويحضر معه القضاة والفقهاء، وأسقط عن الناس مكوسًا وضرائب لا يجيزها الشرع. ويُروى في كتب التاريخ أنه كان يحضر مع خصومه أمام القاضي كمال الدين الشهرزوري إذا ادّعى عليه أحد، ويقول: إنما حضرت لأن الحق لي أو عليّ، وإن ثبت لخصمه حق أعطاه. وهذا الخبر مشهور عند أبي شامة وغيره، ولا نجزم بألفاظه.
وقد أمر الله بالعدل فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ [النحل]. وفي الحديث الصحيح: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل...» رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. فالعدل من أعظم صفات الحاكم المسلم، وقد وصفه المؤرخون بأنه كان مثالًا فيه.
الزهد والخشونة
يروي ابن الأثير وغيره عن نور الدين أنه كان يعيش عيشًا بسيطًا، وأنه كان يلبس الخشن ويكتفي بالقليل، وأنه كان يتحرى في ماله. ومن المشهور أن زوجته شكت إليه قلة نفقتها فأعطاها ما يملك من دكاكين في حمص وقال إن هذا كل ما أملكه، وإن مال المسلمين خزنة عنده لا يجوز له أن يصرفه في نفسه. وهذه القصة مشهورة في كتب التاريخ ولا يمكن التثبت من تفاصيلها، لكنها منسجمة مع وصف المؤرخين لزهده. ويذكرون أيضًا أنه كان يقوم الليل، وأنه كان يصوم النوافل، ويكثر الصدقة، وكل هذا مما يحتاج إلى حذر في نسبته، فهو من أوصاف المؤرخين التي يغلب عليها الثناء.
رعاية العلم والمرافق
بنى نور الدين مدارس عدة في دمشق وحلب وحمص وغيرها، وأقام دار الحديث في دمشق، وهي من أوائل دور الحديث كما يذكر المؤرخون، وأنشأ البيمارستان النوري، وهو مستشفى في دمشق عُرف باسمه واستمر قرونًا. وعمّر الأسوار والحصون، ورتب الأوقاف للعلماء. وهذه الأعمال مما لا خلاف فيه بين المؤرخين وهي باقية آثارها. ومن أعظم أعماله أنه أعاد الشام إلى مذهب أهل السنة بعد أن كان للشيعة نفوذ في بعض مدنه كحلب، ونشر المدارس السنية.
وفاته وأثره
توفي نور الدين في دمشق في الحادي عشر من شوال سنة تسع وستين وخمسمائة بعد مرض في حلقه (الخوانيق) كما ذكر المؤرخون، وكان قد جهّز العدة لفتح بيت المقدس، لكن الله لم يقدّر له رؤيته. وقد خلفه ابنه الصالح إسماعيل صغيرًا، ثم استقل صلاح الدين بالأمر. ويقال إن الله جعل له هذا الأثر العظيم في تهيئة الأمة، وينقل عن ابن الأثير أنه لم يرَ في التواريخ بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة منه، وهو حكم مؤرخ على سيرة ملك، ويُقرأ في ضوء ما أثبتناه من التحفظ.
نور الدين ومصر
من أهم ما قام به نور الدين في الاستعداد لمواجهة الصليبيين اهتمامه بمصر، إذ كانت الدولة الفاطمية في ضعف، وأخذ الصليبيون تحت ملكهم عموري يهددونها. فأرسل نور الدين قائده أسد الدين شيركوه إلى مصر ثلاث مرات، وشارك معه فيها ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، وانتهى الأمر بتولي شيركوه الوزارة سنة أربع وستين وخمسمائة ثم وفاته في العام نفسه وتولي صلاح الدين مكانه. وبهذا اجتمع الشام ومصر في يد جهة واحدة موالية لنور الدين، فأحاط بالصليبيين من الشمال والجنوب. وهذه من أبرز نقاط الخطة الاستراتيجية، وقد ذكر المؤرخون ما حصل من ريبة وتوتر لاحق بين نور الدين وصلاح الدين بسبب استقلال الأخير، لكن لم يصل الأمر إلى قتال بينهما، وتفاصيل هذا التوتر تحتاج إلى حذر.
ابن عساكر وكتاب الأربعين في الجهاد
ويذكر المؤرخون أن الحافظ ابن عساكر صاحب «تاريخ دمشق» كان في رعاية نور الدين، فبنى له دار الحديث النورية، وجمع ابن عساكر للسلطان أربعين حديثًا في الحث على الجهاد. وهذا مثال على ترابط العلماء مع الحكام في تلك المرحلة، وقد أثنى الذهبي على ابن عساكر ثناءً عاليًا.
إنصاف في الحكم
ومن الإنصاف أن نذكر أن بعض المؤرخين ينتقد نور الدين لأنه حارب بعض إخوانه المسلمين كأمراء الموصل وبعض الإمارات الأخرى في سبيل توحيد الجبهة، وأنه لجأ إلى القوة في بعض الأحيان، وأن مصادر مؤرخي دولته تميل إلى الثناء. والحقيقة أن كل ما ذكر في سيرته من محامد يجب أن يُقرأ بتحفظ منهجي: يُقبل ما تظافرت عليه المصادر، ويُترك ما انفرد به الأدباء والمادحون. وهذا موافق لتوجيه القرآن الكريم: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة]، فالعدل في الحكم على الأشخاص بالمدح أو الذم من التقوى.
بيان الدرجة
أحداث حياة نور الدين الكبرى (توحيد الشام، دمشق، حارم، المدارس والبيمارستان، وفاته سنة 569 هـ) ثابتة مشهورة. وحكاية حضوره عند القاضي وقصة الدكاكين وأوصاف زهده وقيامه لليل من أخبار المؤرخين التي يغلب عليها الثناء، وفيها ما لا يُعرف له إسناد، فلا يجزم بها. وأحاديث العدل المذكورة في الصحيحين.
