مقدمة: خشب ينتظر المسجد
من الأخبار التاريخية الجميلة المرتبطة بنور الدين زنكي خبر المنبر الذي أمر بصنعه في حلب ليوضع في المسجد الأقصى حين يُفتح بيت المقدس. وهو منبر خشبي بديع الصنعة، صُنع من أخشاب مطعّمة ومزخرفة بالنقوش الهندسية، ويقال إنه جُمع من قطع صغيرة مثبتة بغير مسامير. ويذكر المؤرخون أنه صُنع سنة أربع وستين وخمسمائة للهجرة في حلب، وأن نور الدين أمر بإعداده ليكون في الأقصى حين يتحقق الفتح. وهذا الخبر منقول عن المؤرخين كمجير الدين الحنبلي في «الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل»، ولا نملك إسنادًا أقدم منه، لكنه مشهور ولا ينكره المؤرخون.
لماذا حلب؟
كانت حلب يومئذ من أهم حواضر نور الدين، وكانت فيها صناعة الخشب والنجارة والزخرفة، فأمر بصنع المنبر هناك وقد كان الصليبيون يحتلون القدس منذ سنة 492 هـ. ويُروى أن نور الدين كان يتمنى فتح القدس، وصنع المنبر علامة على يقينه بالفتح وإن لم يره. وهذه النية التي ينسبها المؤرخون إليه معقولة، غير أن الجزم بها كجزء من وقائع ثابتة يحتاج إلى تحفظ، فهي من تفسير المؤرخين المتأخرين لفعله.
ويذكّرنا هذا بقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور]، وقد بيّن ابن كثير أن هذا وعد من الله لعباده المؤمنين العاملين بالتمكين، والتمكين لا يأتي بالأماني، بل بالإيمان والعمل.
نور الدين لم ير الفتح
توفي نور الدين سنة تسع وستين وخمسمائة ولم يفتح القدس، وبقي المنبر في حلب نحو تسع عشرة سنة. وهذا من عبر التاريخ: فالمؤمن يعمل ويستعد وإن لم يرَ ثمرة عمله، وفي الحديث الصحيح قول النبي ﷺ: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد من حديث أنس رضي الله عنه، وصححه الألباني وغيره. فالعمل للمستقبل وإن قلّ احتمال إدراكه من شأن المؤمن.
صلاح الدين ينقل المنبر
لما فتح صلاح الدين بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، أمر بنقل المنبر من حلب إلى القدس، فوُضع في المسجد الأقصى. وتذكر الكتب أن المسجد كان قد حُوّل جزء منه إلى مخازن وسكن للفرسان، فأمر بتطهيره وغسله بماء الورد، وأعاد إليه الصلاة. وفي هذه الأخبار أن صلاح الدين سأل عن المنبر وأرسل من يحمله، ويذكر المؤرخون أنه بقي في الأقصى قرابة ثمانية قرون إلى أن أُحرق سنة 1969م على يد متطرف أجنبي، ثم صُنع منبر جديد بدلًا منه.
دلالة الخبر في الميزان
ليس في هذه القصة حكم شرعي، وإنما هي خبر تاريخي يدل على مثال من الإعداد الطويل والاستعداد النفسي. فالمنبر في الأقصى ذو قيمة تاريخية، لكن الفضل الشرعي للمسجد الأقصى ثابت بنص القرآن والسنة، لا بسبب المنبر. وفي الحديث الصحيح أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه، والصلاة في مسجد النبي ﷺ بألف، وأما الصلاة في الأقصى فقد وردت في تحديد ثوابها بأعداد معينة أحاديث ضعيفة عند أهل العلم، فلا نذكر عددًا ولا نجزم به، ويكفي ثبوت فضله وشدّ الرحال إليه في الصحيحين.
المقصد من الإعداد قبل الفتح
يقول الله تعالى في المنافقين: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة]، وفي الآية بيان أن من أراد أمرًا حقًا أعدّ له عدته قبل الوقت. وصنع المنبر قبل الفتح بسنوات على فرض صحة النية المنسوبة هو من هذا الباب. ولا نقول إن الآية نزلت في نور الدين، وإنما نستأنس بالمعنى العام.
وكذلك فإن في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ في آية الإسراء بيان لبركة الأرض المقدسة، فقد ذكر الطبري وابن كثير أن البركة تشمل بركة الدين والدنيا، من أنبياء ومزارع وأنهار. وهذا مما يجعل ارتباط المسلمين بالأقصى دينيًا لا قوميًا ولا سياسيًا فحسب.
اللحظة الأولى بعد الفتح
يذكر المؤرخون كالعماد الأصفهاني في «الفتح القسي في الفتح القدسي» وابن الأثير أن صلاح الدين أمر بتطهير الأقصى من الصور والآثار التي أُدخلت عليه في عهد الصليبيين، ثم أُقيمت صلاة الجمعة فيه بعد الفتح بقليل، وخطب فيها القاضي محيي الدين ابن الزكي قاضي دمشق على ما ذُكر. وتفاصيل الخطبة المروية من نصوص المؤرخين ولا تُجزم بحروفها. ثم وُضع المنبر الذي كان نور الدين قد أمر بصنعه.
من مؤسس إلى مكمل
ثلاثة أجيال من الأمراء هيّأت الفتح: عماد الدين زنكي الذي استرد الرها، ونور الدين الذي وحّد الشام وربطه بمصر وأعد الأدوات، وصلاح الدين الذي وجّه الضربة الحاسمة في حطين. وفي هذا درس في أن الإصلاح عمل جماعي متدرج، لا يقوم على فرد واحد. وقد قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وُضعت هذه اللبنة؟»، وهو مثال عن البناء المتكامل.
بيان الدرجة
صنع المنبر في حلب سنة 564 هـ ونقله إلى الأقصى في عهد صلاح الدين ثم إحراقه سنة 1969م أخبار تاريخية مشهورة. وما يُنسب لنور الدين من نية صنعه لوضعه في الأقصى هو تفسير المؤرخين، ولا إسناد له، وحديث الفسيلة صحيح، وأما أعداد ثواب الصلاة في الأقصى فأحاديثها ضعيفة فلم نذكرها.
