Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)مشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

ابن قدامة المقدسي: من هجرة جماعين إلى مدرسة الصالحية

الموفق ابن قدامة المقدسي

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مقدمة: عالم من أسرة مهاجرة

وُلد الموفق عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي سنة إحدى وأربعين وخمسمائة في قرية جماعيل (جماعين) من جبل نابلس في فلسطين، وقد ينسب إلى بيت المقدس. نشأ في أسرة صالحة يغلب عليها الاشتغال بالعلم، ويذكر المترجمون أن أباه الشيخ أحمد بن قدامة كان من أهل الفضل والعلم. وهذا ما ذكره تلميذه الحافظ الضياء المقدسي وغيره من أصحاب التراجم كالذهبي وابن رجب.

الهجرة إلى دمشق

كان بيت المقدس وما حوله يومئذ تحت الاحتلال الصليبي، فاضطرت أسرة ابن قدامة إلى الهجرة إلى دمشق نحو سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، فسكنوا أولًا قرب مسجد أبي صالح، ثم انتقلوا إلى سفح جبل قاسيون، ونشأ هناك الحي المعروف بالصالحية الذي ضم العلماء والمدارس والمساجد. وهذا الحدث تتفق عليه كتب التراجم، وإن اختلفت في تحديد السنة، وما نقلناه هو الأرجح. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ هاجر وترك دياره حفاظًا على دينه، ومن بعده من الصالحين من ضحوا بأوطانهم لأجل العلم والدين، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء].

طلب العلم وبغداد

حفظ ابن قدامة القرآن وتعلم على علماء دمشق، ثم رحل إلى بغداد سنة إحدى وستين وخمسمائة مع قريبه الحافظ عبد الغني المقدسي، فأقام فيها أعوامًا وسمع من علمائها. ويذكر المترجمون أنه التقى الشيخ عبد القادر الجيلاني وصحبه مدة قصيرة قبل وفاته في تلك السنة، وتفاوتت المصادر في مدة صحبته، فبعضهم يقول شهرًا وبعضهم أكثر. وتفقّه على المذهب الحنبلي، وسمع الحديث على جماعة منهم ابن المنّي. ثم رجع إلى دمشق وألّف.

مؤلفاته

من أشهر مؤلفاته «العمدة» في الفقه للمبتدئين، و«المقنع»، و«الكافي»، و«المغني» وهو شرح لمختصر الخرقي ويُعد من أعظم كتب الفقه المقارن، و«روضة الناظر» في أصول الفقه، و«لمعة الاعتقاد» في العقيدة، و«التوابين»، و«مختصر منهاج القاصدين». وقد أثنى العلماء على «المغني» ثناءً عاليًا، ويُنسب إلى العز بن عبد السلام قوله إنه ما طابت له الفتوى حتى طالع المغني، وهو مما يُروى في كتب التراجم، ولا نجزم بلفظه، وإن كان ثناء العز على الكتاب معروفًا.

الجهاد وعلاقته بالسلطان

يذكر بعض مترجميه أنه خرج مع الجيوش الإسلامية في عهد صلاح الدين، وأنه شهد بعض الوقائع، منها ما قيل في فتح القدس وغيره، وفي تفاصيل ذلك خلاف ولا يوجد دليل قاطع على كل واقعة. وقامت في الصالحية مؤسسات علمية، منها المدرسة العمرية التي ارتبط اسمها بأسرته.

بين العلم والعبادة

وصفه معاصروه بالزهد والخشوع والعبادة، وأن مجلسه كان مجلس علم وسكينة، وأنه كان يقضي حوائج الناس ويصبر على الأذى. وقال الذهبي ما معناه إنه كان إمام الحنابلة في زمانه ولم يُرَ مثله. وكل ذلك من الثناء الذي يجب أن يقرأ بتحفظ، لكن اتفاق التلاميذ والأقران على علمه وصلاحه مما لا يُشك فيه.

وقد وجّه القرآن إلى طلب العلم والتفقه في الدين بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة]، وبيّن ابن كثير أن الآية أصل في الرحلة لطلب العلم والرجوع بعده لإنذار القوم. وهذا ما فعله ابن قدامة بالضبط.

وفاته

توفي الموفق في دمشق يوم عيد الفطر سنة عشرين وستمائة، ودفن في سفح قاسيون، وخرج الناس لجنازته خلقًا كثيرًا، كما ذكر الضياء وغيره. ولا نذكر أعداد من شهد جنازته لأن الروايات تتفاوت.

منهجه في «المغني»

ينهج ابن قدامة في «المغني» نهجًا يذكر فيه مذهب الإمام أحمد أولًا، ثم أقوال الأئمة الآخرين ويستدل لكل قول، ثم يرجّح بحسب الدليل. ولهذا عُدّ الكتاب مرجعًا في الفقه المقارن، وقد اعتنى بالتوثيق وعزو الأقوال. ويقال إنه قضى في تأليفه سنوات طويلة، لكن لا نملك مدة محددة موثقة.

عقيدته

كتب الموفق «لمعة الاعتقاد» وفيها يقرر منهج السلف في الأسماء والصفات، فيثبتها كما جاءت في القرآن والسنة من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل ولا تحريف. وقد ذكر في مطلعها ما معناه أن كل ما جاء في القرآن أو صح عن النبي ﷺ من صفات الله وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى] الذي جمع بين نفي التشبيه وإثبات الصفات. ولا ننقل نص الكتاب هنا، فمن أراد التفصيل رجع إليه.

طريقته في الحياة

يذكر الضياء المقدسي في ترجمته أن أوقات الشيخ كانت موزعة بين الإقراء والتصنيف والعبادة، وأنه كان لا يضيع وقتًا في غير فائدة، وأنه كان يُقرئ الناس في بعض المساجد بعد الفجر. وهذه صورة عامة مستفادة من التراجم، ولا نملك تفاصيل يومه الدقيقة. ومن المأثور عنه حسن الخلق مع الطلاب والتواضع، وأنه كان يتحرى الورع في ماله.

وقد ثبت في الصحيحين من حديث معاوية رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، وهو أصل في فضل الفقه. وقد جسّد ابن قدامة هذا الحديث في حياته.

بيان الدرجة

سيرة ابن قدامة (مولده، هجرته إلى دمشق، رحلته إلى بغداد، مؤلفاته، وفاته سنة 620 هـ) ثابتة مشهورة في كتب التراجم. وما يُحكى عن لقائه الجيلاني ومدة صحبته، وعن مشاركته في فتح القدس، وعبارة العز في المغني مختلف في توثيقها ولا يجزم بها. والآيات المذكورة قرآنية صحيحة.

العبرة

الهجرة والرحلة في طلب العلم والدين من سنن الصالحين، والتأليف النافع يبقى بعد صاحبه قرونًا.

المصدر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب؛ سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة الموفق)؛ ترجمة الموفق لتلميذه الضياء المقدسي؛ القرآن الكريم: سورة النساء وسورة التوبة.

الدرجة: سيرته ثابتة مشهورة في كتب التراجم، وما يتعلق بلقائه الجيلاني ومشاركته في الجهاد وعبارة العز مختلف في توثيقه فلا يجزم به