مقدمة: يتيم يشق طريقه
هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد المعروف بابن الجوزي، وُلد في بغداد نحو سنة عشر وخمسمائة، ومات أبوه وهو صغير، فتولت أمه وعمته تربيته، ثم اعتنى به أحد أقاربه وهو أبو الفضل ابن ناصر الحافظ، فأسمعه الحديث. وقد حكى ابن الجوزي في كتابه «صيد الخاطر» خبر نشأته وبعض أحواله. وسير علماء بغداد من مراجعه الأساسية ما ذكره الذهبي وابن رجب وابن كثير في ترجمته.
الوعظ والمجالس
اشتهر ابن الجوزي بالوعظ، وكانت مجالسه في بغداد تجمع الخلق الكثير، وقد حضر مجالسه الأمراء والوزراء. ونقل الذهبي وغيره عنه هو أنه كان يذكر أن كثيرين تابوا وأسلموا على يديه، وذكر هو عددًا كبيرًا لهم، لكننا لا نذكر هذه الأعداد لأنها تقدير شخصي من القائل ولم يثبت لها إحصاء. وعلى كل حال فقد كان مؤثرًا في وعظه.
ومن أهم ما كتبه في ذلك «تلبيس إبليس»، يكشف فيه خدع الشيطان للعباد والعلماء والصوفية، و«صيد الخاطر»، وهو خواطر وتأملات في الحياة، و«صفة الصفوة»، في سير الصالحين، و«زاد المسير في علم التفسير»، و«المنتظم في تاريخ الملوك والأمم»، و«مناقب الإمام أحمد»، وغيرها كثير مما يُقال إنه بلغ المئات.
كثرة التصنيف والحرص على الوقت
وقد اشتهر عنه الحرص على الوقت، حتى يُذكر أنه كان يقتطع من وقته كل ما يستطيع للكتابة والتأليف، وأن عدد مصنفاته كبير جدًا. وقد وعظ في كتابه «صيد الخاطر» بالمحافظة على العمر، وفي هذا المعنى حديث البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
سجنه في واسط
ويذكر ابن كثير أن ابن الجوزي ابتُلي في أواخر عمره، فغضب عليه الخليفة الناصر لدين الله وأمر بإبعاده إلى واسط، فأقام فيها خمس سنين، ثم أُفرج عنه بشفاعة أم الخليفة، وعاد إلى بغداد. وقد تفاوتت الروايات في سبب هذا الغضب، فبعضهم يرجعه إلى وشاية بعض خصومه، وبعضهم يذكر أن في الأمر ما يتعلق بمنزلته عند الخليفة، ولا يمكن الجزم بالسبب. وفي القرآن: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة].
وفاته وآخر وصاياه
توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة في بغداد ليلة الجمعة بين العشاءين، ودُفن عند قبر الإمام أحمد. ومما يُنقل في كتب التراجم، وذكره الذهبي وابن رجب، أنه أوصى أن يُسخّن ماء غسله بقطع الأقلام التي كان يبريها وجمعها في كيس، وهي شيء كثير، فسُخّن بها الماء وبقي منه بقية. وهذه القصة مشهورة في كتب التراجم، ونسبتها لابن الجوزي معروفة، وإن كان الاعتماد فيها على الأخبار لا على إسناد صحيح.
الإنصاف في تقييم علمه
ومن الإنصاف أن نذكر أن العلماء انتقدوا بعض مصنفاته. فقد أكثر في كتابه «الموضوعات» من الحكم بالوضع على أحاديث ثبت أن فيها الحسن والصحيح، ورد عليه الحافظ ابن حجر والسيوطي وغيرهما في «القول المسدد» و«اللآلئ المصنوعة». وكذلك في «زاد المسير» و«المنتظم» يذكر بعض الأخبار الضعيفة من غير بيان. فالتحذير هنا من النقل عنه دون الرجوع إلى كلام النقاد، وفي الوقت نفسه فإن فضل ابن الجوزي في جمع العلم وفي الوعظ والتأثير لا ينكر.
نماذج من مؤلفاته
كتاب «تلبيس إبليس» يحذّر من مداخل الشيطان على أصناف الناس، فيعرض خداعه للعلماء والعباد والصوفية والعامة، وهو في حقيقته نقد لما شاع في عصره من انحرافات. وقد ينتفع به القارئ في تفقد قلبه، مع الحذر من بعض الأحاديث الضعيفة والحكايات الواهية الواردة فيه. وكتاب «صيد الخاطر» يضم خواطر في النفس والدنيا والعلم، وهو أقرب إلى المذكرات. وفي «المنتظم» جمع تاريخ العالم الإسلامي حتى زمنه، وهو مصدر مهم للأحداث ببغداد، وهو أيضًا من الكتب التي يتصرف فيها المؤلف بحسب مصادره دون تدقيق في كل خبر.
مسألة الصفات
أما في العقيدة، فقد ألّف ابن الجوزي كتابًا سماه «دفع شبه التشبيه» ردّ فيه على من يشبّهون الله بخلقه، ووقع في تأويل بعض الصفات، وقد خالفه في ذلك جماعة من أئمة الحنابلة والذهبي وابن تيمية وغيرهم. وهذه المسألة من مسائل الخلاف التي أنصف فيها العلماء فنبهوا على الخطأ وأثبتوا الفضل. والمنهج الأسلم في الصفات إثباتها كما جاءت من غير تشبيه ولا تعطيل، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى].
أثر أسرته في تاريخ بغداد
ومن عبر التاريخ أن ابن الجوزي ترك أبناء وأحفادًا برزوا في العلم والإدارة، فمنهم حفيده سبط ابن الجوزي صاحب «مرآة الزمان» في التاريخ، ومنهم ابنه محيي الدين يوسف الذي تولى الحسبة وأعمالًا في دار الخلافة، ويذكر المؤرخون أنه قُتل في فتنة التتار حين سقطت بغداد سنة ست وخمسين وستمائة. وهذا من الأخبار المتصلة بحادثة سقوط بغداد التي نفرد لها قصة مستقلة، والمقصود هنا أن ما غرسه العالم في ذريته وفي تلاميذه ظل أثره عبر الأجيال، وأن الدنيا لا تدوم لأحد، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن].
بيان الدرجة
سيرته (نشأته، وعظه، تصانيفه، محنته في واسط، وفاته سنة 597 هـ) ثابتة مشهورة. وأعداد التائبين على يديه وما ينسب إليه من كثرة المصنفات تقديرات فلم نذكرها، وقصة الأقلام المحفوظة لماء غسله مشهورة في التراجم دون إسناد صحيح. والأحاديث التي حكم عليها بالوضع في كتابه «الموضوعات» لا يؤخذ بحكمه فيها دون مراجعة النقاد.
