Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)موثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

عبد القادر الجيلاني: ما ثبت من سيرته وما أنكره العلماء من مناقبه

عبد القادر الجيلاني

مقدمة: لماذا تحتاج سيرته إلى تحرير؟

الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (الجيلي) من كبار علماء الحنابلة في بغداد في القرن السادس الهجري، وقد اشتهر ذكره في العالم الإسلامي اشتهارًا واسعًا، حتى كثرت حول اسمه الحكايات والكرامات المنسوبة إليه، وصارت له طرق ومنتسبون. ولهذا يحتاج المسلم إلى التمييز بين ما ثبت في كتب التراجم المعتمدة وبين ما شاع في كتب المناقب المتأخرة. وهذا ما نعتمده في هذه الصفحة بالنقل عن الذهبي في «سير أعلام النبلاء» وابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة».

النشأة وطلب العلم

وُلد في إقليم جيلان (جيل) جنوب بحر قزوين سنة سبعين وأربعمائة على المشهور، وقدم بغداد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، فتفقه على أبي الوفاء ابن عقيل وأبي الخطاب الكلوذاني وأبي سعد المخرمي وغيرهم، وسمع الحديث من جماعة. وتولى التدريس في مدرسة أبي سعد المخرمي عند باب الأزج، وقد وُسّعت له فعُرفت باسمه. وهذه المعلومات ثابتة عند ابن رجب والذهبي وغيرهما.

الوعظ والزهد

كان الشيخ عبد القادر يعظ في بغداد في مجالس يحضرها خلق كثير، وقد أثنى معاصروه على صدقه وزهده وفقهه ومنهجه في الدعوة إلى الله على طريقة أهل السنة، وكان متمسكًا بمذهب الإمام أحمد. وتذكر كتب التراجم أنه كثير الصدقة، وأن مجلسه كان مليئًا بالتذكير بالتوبة. وله كتب منها «الغنية لطالبي طريق الحق» و«فتوح الغيب». وفي نسبة بعض هذه الكتب أو بعض ما فيها إليه خلاف عند العلماء، فقد نبّه بعضهم على ما في «الغنية» من أحاديث ضعيفة، كما نبه الذهبي وغيره.

وقد ثبت الأمر بالصدق في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة]، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة».

قصة الصدق مع اللصوص: ما درجتها؟

يتناقل الناس في الكتب الشعبية قصة يقال إن الشيخ عبد القادر وهو غلام سافر مع قافلة إلى بغداد، وأن أمه خاطت له أربعين دينارًا في ثيابه وأوصته بالصدق، فقطع اللصوص الطريق، وسأله أحدهم: ما معك؟ فقال: أربعون دينارًا، فظنّ أنه يمزح، فلما أخبر زعيمهم صدّقه وتاب وتاب جماعته. وهذه القصة مشهورة في كتب المناقب المتأخرة، ولم نقف لها على سند معتبر في الكتب المعتمدة من التراجم كابن رجب والذهبي، وبعض نقدة العلماء يتوقفون فيها. فإن ذكرها المسلم فليذكرها على سبيل الحكاية لا الجزم، ومعناها حق وهو فضل الصدق، لكن لا ينسب لعبد القادر بصيغة الثبوت.

ما أنكره العلماء من المبالغات

كتب بعض أتباعه كتبًا في مناقبه مملوءة بالخوارق والمبالغات، ومن أشهرها «بهجة الأسرار» للشطنوفي. وقد نبّه الحافظ ابن رجب إلى ما في هذه الكتب من أخبار لا تصح، وكذلك تعقّب الذهبي بعض ما شاع في سيرته من مبالغات وبعض العبارات المنسوبة إليه. وأنكر العلماء أن يدعو الإنسان غير الله، أو أن يتوسل بالأولياء على وجه الشرك، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف]، وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر]. وبيّن ابن كثير وغيره أن الدعاء عبادة لا تصرف إلا لله.

موقف ابن تيمية

وقد أثنى شيخ الإسلام ابن تيمية على الشيخ عبد القادر في مواضع كثيرة وعدّه من أئمة الهدى المتمسكين بالسنة، وفي الوقت نفسه ردّ على من غالى فيه ونسب إليه ما لم يقله. وهذا هو منهج أهل السنة: إنصاف الصالحين بلا غلو ولا جفاء. وقد أشار ابن رجب في «الذيل» إلى أن للشيخ عبد القادر مقامًا عظيمًا لكن كثيرًا مما نُقل عنه فيه نظر.

وفاته

توفي عبد القادر ببغداد سنة إحدى وستين وخمسمائة، ودفن في مدرسته. وتروي كتب التراجم أنه كان صاحب أخلاق كريمة وحرص على الصلاة والذكر، وأن الناس خرجوا لجنازته. ولا نعتمد في هذا الباب المبالغات التي لا تصح كتحديد أعداد التائبين على يديه، فلم نذكرها.

الطريقة القادرية وما بعده

نسبت إلى الشيخ عبد القادر بعد وفاته طريقة صوفية عُرفت بالقادرية، انتشرت في العالم الإسلامي، وكان لأبنائه وأحفاده دور في نشرها. ويذكر المؤرخون أن الشيخ نفسه كان فقيهًا حنبليًا واعظًا، وأن ما صار عليه المنتسبون إليه من أوراد وحلقات وبدع في بعض البلاد لا يُنسب إليه إلا بدليل. ومن أبرز تلاميذه الموفق ابن قدامة الذي لازمه مدة قصيرة قبل وفاته، وكان من أشد المحبين له والمثنين عليه، وفي ذلك دلالة على أن علماء الحنابلة كانوا يعظمونه ويحبونه على السنة.

والميزان الشرعي في الأولياء وكراماتهم ما قرره العلماء: أن الكرامة ثابتة لأولياء الله بدليل ما في القرآن من قصة مريم عليها السلام وأصحاب الكهف، لكنها لا تدل على عصمة صاحبها، ولا تجعله مصدر تشريع، ولا يُشترط للولي أن تظهر له كرامات. وعلى كل حال فأعظم الكرامة الاستقامة على الشرع، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس]، فبيّن سبحانه أن الولاية بالإيمان والتقوى.

بيان الدرجة

سيرته الأساسية (ولادته في جيلان، قدومه بغداد، تدريسه وعظه، وفاته سنة 561 هـ) ثابتة في كتب التراجم المعتبرة. أما قصة اللصوص الأربعين دينارًا وسائر الكرامات المنسوبة إليه فمشهورة في كتب المناقب المتأخرة دون إسناد معتبر، وكتاب «بهجة الأسرار» مليء بما لا يصح، فلا يُعتمد في العقيدة ولا في الأحكام. وآيات الصدق وحديث ابن مسعود صحيح.

العبرة

نحب الصالحين دون غلو، ونأخذ من سيرتهم الثابتة، وندع ما لا إسناد له من الكرامات، فالدعاء والعبادة لله وحده.

المصدر: سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة عبد القادر الجيلي)؛ ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب؛ مجموع فتاوى ابن تيمية؛ القرآن الكريم: سورة التوبة وسورة الأحقاف وسورة غافر؛ صحيح البخاري ومسلم: حديث ابن مسعود رضي الله عنه في الصدق (كتاب الأدب، باب قول الله تعالى اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).

الدرجة: سيرته الأساسية ثابتة في كتب التراجم؛ وقصة الأربعين دينارًا واللصوص وسائر الكرامات من كتب المناقب المتأخرة بلا إسناد معتبر؛ وفي بعض ما نُسب إليه من أقوال وكتب نظر؛ وحديث الصدق في الصحيحين