Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)مشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

صلاح الدين في مصر: نهاية الحكم الفاطمي وعودة الخطبة للعباسيين

صلاح الدين الأيوبي

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مقدمة: من هو صلاح الدين؟

هو أبو المظفر يوسف بن أيوب، الملقب بصلاح الدين، وُلد في تكريت سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، من أسرة كردية، وكان أبوه نجم الدين أيوب وعمه أسد الدين شيركوه من أمراء عماد الدين زنكي ثم ابنه نور الدين. نشأ في دمشق ودخل في خدمة نور الدين. وتفصيل سيرته منقول عند ابن شداد في «النوادر السلطانية» وهو من خاصته، وعند العماد الأصفهاني وابن الأثير وأبي شامة وغيرهم. ومن المهم أن يُعلم أن مصادره الأقرب إليه كثيرًا ما تُثني عليه، ومعظم المؤرخين يتفقون على أصول سيرته.

مصر قبل صلاح الدين

كانت مصر يحكمها الفاطميون، وهم من الإسماعيلية الباطنية الذين كانت دولتهم تدعو إلى مذهبها، وكان خلفاؤها يزعمون الانتساب إلى فاطمة رضي الله عنها، وفي صحة هذا النسب خلاف قديم بين العلماء ذكره المؤرخون. وقد ضعفت الدولة في أواخرها، فتنازع الوزراء، وهدد الصليبيون مصر. فأرسل نور الدين شيركوه ثلاث مرات إلى مصر، وفي الثالثة سنة أربع وستين وخمسمائة صار شيركوه وزيرًا للعاضد آخر الخلفاء الفاطميين، ثم مات بعد شهرين، فتولى صلاح الدين الوزارة.

تثبيت الأقدام

لم يكن توليه الوزارة سهلًا، إذ كان في القصر من الأمراء والجند من لا يريده، فوقعت فتنة كبرى سنة أربع وستين وخمسمائة من الجند السودانيين الذين كانوا من أنصار الفاطميين، وقاتلهم صلاح الدين وانتصر عليهم. ويذكر المؤرخون أيضًا أن مؤتمن الخلافة الفاطمي حاول مراسلة الصليبيين فكُشف أمره وقُتل، وفي تفاصيل هذه الوقائع اختلاف بين المؤرخين، والمتفق عليه أن صلاح الدين تخلص من خصومه في القصر. وتصدّى كذلك للصليبيين على ثغر دمياط سنة خمس وستين وخمسمائة حين هاجموا برًا وبحرًا فردهم.

قطع الخطبة للعاضد

بعد سنتين من الوزارة، ثبّت صلاح الدين أقدامه، وأمره نور الدين بإقامة الخطبة للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله، فتردد قليلًا خوفًا من فتنة، ثم جاءت الجمعة الأولى من المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة، فخطب الخطباء في القاهرة للمستضيء ولم يذكروا العاضد. ويذكر المؤرخون أن العاضد كان مريضًا ولم يُخبروه بذلك، وأنه توفي في العاشر من المحرم من العام نفسه، وفي هذا الخبر تفصيل يتفاوت فيه المؤرخون، فبعضهم يقول إنه علم وبعضهم يقول لم يعلم، ولا نجزم. وبهذا انتهت الدولة الفاطمية في مصر التي بقيت نحو قرنين ونيف.

وفي القرآن الكريم ما يأمر بوحدة الأمة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران]، وبين المفسرون أن الاعتصام بحبل الله هو التمسك بالقرآن والجماعة. وكان الهدف السياسي توحيد مصر والشام لمواجهة الصليبيين.

إحياء الفقه والعلم السني

بعد زوال الدولة الفاطمية، سعى صلاح الدين في نشر العلم السني في مصر، فأنشأ المدارس، ومن أشهرها المدرسة الناصرية للشافعية والقمحية للمالكية، وأوقف الأوقاف. وكان الأمراء والعلماء يتعاونون في ذلك. كما قرّب علماء السنة وأكرمهم، ومنهم الحافظ السلفي في الإسكندرية. وقد ذكر المؤرخون أن أثر ذلك دام قرونًا، فبقي الأزهر الذي كان في الأصل جامعًا فاطميًا أثرًا تاريخيًا، وتحول إلى مدرسة سنية فيما بعد، وإن كانت تفاصيل تحوله تحتاج مراجعة تاريخية. ومن الإنصاف أن نقول إن بعض المؤرخين المعاصرين يرون أن تحول مصر إلى المذهب السني كان تدريجيًا، لا فجائيًا على يد صلاح الدين.

ما لا يثبت في ذلك

وردت عند بعض المتأخرين مبالغات في وصف ما فعله صلاح الدين بكتب الفاطميين ومكتباتهم، وأنه أحرق كتبًا كثيرة أو باعها. وتتفاوت الأخبار في هذا، فبعضها يذكر أن المكتبة بيعت أو بددت في مدة، ولا نجزم بسبب ولا بحجم، إنما هو من أخبار المؤرخين المتفاوتة. كذلك لا يصح أن يُنسب إلى صلاح الدين اضطهاد منهجي للأفراد على المذهب، فإن هذه الأحكام العامة تحتاج إلى دليل.

رواية الأمير العالم

يروي ابن الأثير في «الكامل» أن أول من خطب للخليفة العباسي في مصر رجل أعجمي يدعى الأمير العالم، صعد المنبر في الجمعة الأولى من المحرم قبل أن يأمر الخطباء بذلك، فدعا للمستضيء ولم يعترض عليه أحد، ثم تبعه الخطباء في المساجد الأخرى. وهذه رواية يتفرد بها ابن الأثير ولا نملك ما يؤيدها من مصدر آخر بالقوة نفسها، فنذكرها على سبيل الحكاية. ويدل مجمل ما ذُكر أن التحول تم بهدوء، وأن صلاح الدين تجنب إراقة الدماء ما استطاع.

الإصلاحات المالية والعدل

ويذكر المقريزي وغيره أن صلاح الدين ألغى في مصر مكوسًا وضرائب عدة لا يجيزها الشرع، منها ما كان يؤخذ من الحجاج في بعض المرافئ، وعوّض خزينة الدولة عنها. وتتفاوت المصادر في تفصيلها وفي أرقامها، لكنها متفقة على الاتجاه العام. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة]، وهو أصل في تحريم أخذ أموال الناس بغير حق، فدخل فيه كل ضريبة ظالمة.

ويلاحظ القارئ هنا أن السياسة الشرعية تقتضي التدرج في الإصلاح، وأن إنهاء دولة قائمة منذ قرنين لم يكن بالأمر الهيّن، وأن نور الدين نفسه ألحّ على صلاح الدين في تحويل الخطبة، ثم وقع ما وقع بعد سنتين من التمهيد.

بيان الدرجة

الأحداث الكبرى ثابتة مشهورة في كتب التاريخ: وزارة شيركوه ثم صلاح الدين سنة 564 هـ، فتنة السودان، دفع الصليبيين عن دمياط، الخطبة للمستضيء في المحرم سنة 567 هـ، ووفاة العاضد. أما علم العاضد بقطع الخطبة، وتفاصيل التخلص من خصومه في القصر، وما حدث لمكتبة الفاطميين فمتفاوت الرواية ولم نجزم به.

العبرة

الوحدة على السنة والتمسك بحبل الله أساس القوة، وإصلاح التعليم والقضاء يسبق النصر على العدو.

المصدر: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد؛ الكامل لابن الأثير؛ الروضتين لأبي شامة؛ البداية والنهاية لابن كثير في حوادث سنة 564 و567 هـ؛ القرآن الكريم: سورة آل عمران.

الدرجة: الأحداث الكبرى ثابتة مشهورة في كتب التاريخ، وعلم العاضد بقطع الخطبة وتفاصيل التخلص من الخصوم ومصير مكتبة الفاطميين متفاوتة الرواية فلم نجزم بها