مقدمة: بعد حطين
بعد انتصار حطين في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، توجه صلاح الدين إلى فتح المدن الساحلية والداخلية، فحرر عكا وبيروت وعسقلان وغيرها، ثم اتجه إلى بيت المقدس. وقد ذكر ابن شداد والعماد الأصفهاني (الذي كان كاتب السلطان وألّف في هذا الفتح كتابًا) وابن الأثير تفاصيل الحصار والتسليم، وهي أخبار مشهورة ثابتة في جملتها.
الحصار
وصل صلاح الدين إلى بيت المقدس في رجب، ونزل بجيشه غربي المدينة ثم انتقل إلى جهتها الشمالية، وهاجم الأسوار بالمجانيق، وأحدث المسلمون ثغرة في السور. وكان في المدينة الفرسان الذين نجوا من حطين، ومعهم قائد يدعى باليان (بليان) دي إبلين، وقد دخل المدينة بإذن من صلاح الدين على ما يرويه المؤرخون ليخرج أهله، ثم تولى قيادة الدفاع، وفي تفاصيل هذه الرواية اختلاف. وقد تحصّن النصارى في المدينة وقاتلوا قتالًا شديدًا، ثم طلبوا الأمان.
التفاوض والأمان
ذكر ابن الأثير والعماد أن صلاح الدين في البداية قال إنه سيعاملهم كما عاملوا المسلمين لما استولوا على المدينة سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، أي بالقتل والسبي، ثم رضي بتسليمهم على أن يدفع كل رجل عشرة دنانير وكل امرأة خمسة وكل صبي دينارًا واحدًا فداءً. وهكذا ذكر المؤرخون، مع اختلاف يسير في الأرقام عند بعضهم. وأفرج عن عدد من الفقراء من غير فداء، وطلب أخوه العادل جماعة من الأسرى فوهبهم له، كما ذكر المؤرخون، وفي الأعداد خلاف فلم نذكرها. وقد أخرج بطريرك الصليبيين أموال الكنائس معه، فأنكر بعض المسلمين ذلك، لكن صلاح الدين وفى بالعهد.
والوفاء بعهد الأمان واجب في الإسلام، فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث علي رضي الله عنه قول النبي ﷺ: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم». وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل]، وقال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة].
يوم الدخول
دخل المسلمون بيت المقدس يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. وذكر المؤرخون أن هذا اليوم يوافق ليلة الإسراء والمعراج في الذاكرة التاريخية، فقد كان المشهور بين الناس أن الإسراء وقع في السابع والعشرين من رجب، والأمر فيه خلاف كبير بين أهل العلم في تحديد الشهر واليوم، ولم يثبت حديث صحيح بتعيين ليلة الإسراء، وقد قرر ابن كثير وغيره الخلاف في ذلك، فنذكر الدخول في هذا التاريخ ولا نبني عليه حكمًا شرعيًا. وهذا تنبيه مهم.
وكان دخولهم بعد أكثر من تسعين سنة من الاحتلال الصليبي. ولم يتعرض المسلمون للنصارى بقتل شامل كما يذكر ابن الأثير وغيره من المؤرخين، بل ضبطوا الجند، وعيّنوا حراسًا لحماية الناس حتى خرجوا بالفداء. وهذا مما أثنى به كثير من المؤرخين على صلاح الدين.
تطهير الأقصى
أمر صلاح الدين بإزالة ما أُدخل من تغييرات في المسجد الأقصى، فأُخرجت المخازن وأُزيلت الكنيسة التي أقيمت على قبة الصخرة وصليبها، وغُسلت الأرضية بماء الورد الذي أُحضر من دمشق كما ذكر العماد وابن الأثير، وأعيد وضع المنبر الذي أعده نور الدين. وصلى المسلمون فيه الجمعة الأولى بعد الفتح بعد أيام، على ما ذكره المؤرخون، وكان الخطيب قاضي دمشق محيي الدين ابن الزكي فيما ذُكر. ولا نجزم بتفاصيل نص الخطبة.
الكنائس والمسيحيون
وذكر المؤرخون أن كنيسة القيامة أُغلقت أيامًا ثم أُعيد فتحها للزيارة، وأنه سمح للنصارى الشرقيين بالبقاء، وأذن للحجاج المسيحيين بزيارة المدينة، وهذا يوافق العدل الشرعي القائل: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة]. ويتفق كثير من المؤرخين على أن المعاملة كانت أرحم من معاملة الصليبيين للمدينة يوم سقوطها سنة 1099م.
أثر الفتح
أعلن الفتح في أنحاء العالم الإسلامي، وكتب العماد الرسائل إلى الخليفة العباسي وإلى الأمراء بالبشارة. وتألبت أوروبا فيما بعد، فجاءت الحملة الصليبية الثالثة بقيادة ريتشارد قلب الأسد وفيليب أوغسطس وفريدريك بربروسا الذي غرق في نهر قبل الوصول.
صلاح الدين بعد الفتح
ذكر المؤرخون ومنهم مجير الدين الحنبلي في «الأنس الجليل» أن صلاح الدين اعتنى بالمدينة بعد فتحها، فحوّل بعض الكنائس والمباني إلى مدارس وربط، ومن ذلك المدرسة الصلاحية التي جُعلت في مبنى كنيسة قديمة قرب باب الأسباط، ووقف عليها الأوقاف، وأقام خانقاهً للصوفية. كما رمّم الأقصى وجدد محرابه، وسبّل الأوقاف لخدمته. ويقال إن عددًا من العلماء قدموا إلى القدس للإقامة فيها، وهذا من الأخبار المنقولة في كتب البلدانيات والتراجم المتأخرة. وقد أنشأ مدارس أخرى في مصر والشام.
بشارة النبي ﷺ بفتح بيت المقدس
ثبت في صحيح البخاري من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اعدُد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم...». وهذا الحديث يُحمل في الجملة على الفتح العمري زمن الخلافة الراشدة، فلا يُجعل خاصًا بفتح صلاح الدين، ويحسن ألا نحمّل النص أكثر مما يحتمل. لكن فضل بيت المقدس وبركته ثابت، ولذلك تعلقت به قلوب المسلمين في كل عصر.
بيان الدرجة
فتح بيت المقدس يوم الجمعة 27 رجب سنة 583 هـ، وفداء الأسرى، وتطهير الأقصى، ووضع المنبر، وحسن معاملة الأهالي من الأخبار الثابتة المشهورة. أما تفاصيل مبالغ الفداء وأعداد من أُفرج عنهم، وقصة يمين باليان، وتفاصيل الخطبة، وكون اليوم موافقًا ليلة الإسراء فبعضها خلافي أو غير موثق فلا يجزم به. وحديث ذمة المسلمين واحدة ثابت في الصحيحين.
