Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)مشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

صلاح الدين: صلح الرملة ووفاته وتركته اليسيرة

صلاح الدين الأيوبي

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مقدمة: الحملة الصليبية الثالثة

بعد فتح بيت المقدس جاءت أوروبا بحملة كبيرة عُرفت بالحملة الصليبية الثالثة، شارك فيها ملوك كبار، وحاصروا عكا سنة خمس وثمانين وخمسمائة نحو سنتين. وكان صلاح الدين يقف أمامهم ويحاصرهم وهم يحاصرون المدينة، ثم سقطت عكا في جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وخمسمائة بعد مفاوضات. وقد روى ابن شداد وابن الأثير والعماد هذه الأحداث، وتختلف في ترتيب بعض التفاصيل. ولا نذكر الأعداد والتواريخ الدقيقة التي لا تتفق.

ريتشارد والمعارك

بعد سقوط عكا تقدم ملك إنجلترا ريتشارد، ولقي صلاح الدين في أرسوف سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فدارت معركة انتهت بأن اضطر المسلمون للتراجع، ثم بدأت مفاوضات طويلة. ويذكر المؤرخون ما جرى بين الجانبين من مراسلات ولقاءات من جهة العادل أخي صلاح الدين، وأن ريتشارد مرض والتمس شيئًا من الفاكهة، وأن صلاح الدين بعث إليه فاكهة وثلجًا. وهذه الرواية يذكرها ابن شداد، وهي من الأخبار التي تروى في سياق عادة ملوك ذلك العصر في المروءة.

صلح الرملة

وفي شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وقع صلح الرملة لمدة ثلاث سنوات تقريبًا على ما ذكره المؤرخون، ويقضي بأن تبقى بيت المقدس بيد المسلمين، وتبقى المدن الساحلية بين يافا وصور بيد الصليبيين، وأن يُسمح لحجاج النصارى بزيارة بيت المقدس. ويرى بعض المؤرخين أن الصلح كان مناسبًا للظروف، لأن الجيش أنهكته الحروب. وقد أكد الله في كتابه جواز الصلح عند الحاجة: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال]، وفسّره المفسرون بأن للإمام أن يصالح إذا رأى المصلحة.

الحج الذي لم يتم

ويذكر ابن شداد أن صلاح الدين كان عازمًا على الحج بعد الصلح، وأمر بالاستعداد، لكن الأمراء أشاروا عليه بالبقاء في الشام لتفقد الأحوال، وتأخر الحج، ثم لم يتمكن منه. وهذه الرواية صادرة عن مصدر مقرب منه، ولا مبرر للتشكيك فيها.

وفاته

مرض صلاح الدين بعد عودته إلى دمشق نحو اثني عشر يومًا، ثم توفي في السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وكان عمره نحو سبع وخمسين سنة. وقد حضر ابن شداد مرضه وأخبر أنه كان في ساعاته الأخيرة يُقرأ عليه القرآن. وروى أن القارئ لما بلغ قوله تعالى: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [التوبة] تبسم السلطان وتهلل وجهه ثم فاضت روحه. وهذه من الروايات التي ينقلها ابن شداد وهو شاهد، لكن ينبغي التحفظ في الجزم بكل لفظ فيها، فقد تتفاوت في الكتب.

تركته

يذكر ابن شداد أن صلاح الدين مات ولم يترك من المال إلا القليل، فلم يترك في خزانته من الذهب والفضة إلا دينارًا صوريًا واحدًا وسبعة وأربعين درهمًا ناصرية على ما قال، ولم يترك دارًا ولا بستانًا ولا قرية. وقد كان ينفق ما يصل إليه على الجهاد والصدقة. وهذه الرواية مشهورة جدًا عن ابن شداد، وهو شاهد قريب منه، فنوردها بصيغة النقل عنه. وإن صحت فهي دليل على زهده وعلى تحريه ألا يتحول مال الدولة إلى مال خاص.

وقد قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس»، وروى البخاري من حديث عمرو بن الحارث أخي جويرية رضي الله عنهما أن النبي ﷺ لم يترك عند موته دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة، وفيه قدوة للحكام.

الإنصاف في الحكم

كان صلاح الدين بشرًا يجتهد ويخطئ، وللمؤرخين انتقادات على بعض سياساته، كحروبه مع بعض الأمراء المسلمين، وعلى فتح بعض المدن بحيل سياسية، وعلى إنفاقه الذي أرهق ميزانية الدولة. ويرد المؤرخون المنصفون ذلك بأن الظروف كانت صعبة. ونحن لا نعصم أحدًا، وإنما نحمد ما كان من جهاده وعدله وصبره.

قضية السهروردي: مثال على الإنصاف

ومن المسائل التي أخذها بعض الباحثين على سياسة صلاح الدين في أواخر عهده قتل الفيلسوف المتصوف شهاب الدين السهروردي في حلب نحو سنة ثمان وثمانين وخمسمائة (وقيل قبلها)، بعد أن اتهمه فقهاء حلب بالزندقة وطلبوا من الظاهر غازي ابن صلاح الدين أن يتخذ في أمره قرارًا، ويقال إن صلاح الدين أمره بقتله. وفي تفاصيل هذه القصة وطريقة قتله اختلاف كبير بين المؤرخين، فلا نجزم بشيء منها، ونذكرها ليعلم القارئ أن سيرة الرجال لا تخلو من مسائل تحتاج إلى بحث وتثبت، وأننا لا نجعل أحدًا فوق النقد ولا نتجاوز الإنصاف.

الصلاة والعبادة في مرضه

ويذكر ابن شداد أن صلاح الدين كان حريصًا على الصلاة مع الجماعة، وأنه في آخر مرضه لم يترك الجماعة حتى عجز عن ذلك، وأنه كان يطلب من يقرأ عليه القرآن. وقد وصف ابن شداد المجلس الذي كان يحضره العلماء. وهذه من الأخبار التي لا نملك إسنادًا لها لكن مصدرها قريب من السلطان. وكان يكثر من قراءة الحديث والاستماع إليه.

وفي الحديث الصحيح قول النبي ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه حث على مجالسة العلماء كما كان يفعل صلاح الدين.

بيان الدرجة

وفاة صلاح الدين في صفر سنة 589 هـ وصلح الرملة والحملة الصليبية الثالثة ثابتة مشهورة. ورواية ابن شداد عن نزع روحه ولفظ صدق، وخبر الدينار والدراهم، وفاكهة ريتشارد، من أخبار شاهد قريب لكن لا إسناد لها بالمعنى الحديثي فيجب التحفظ في حرفيتها. وحديث ترك النبي ﷺ في صحيح البخاري، وحديث الغنى في الصحيحين.

العبرة

الزهد في الدنيا مع القوة والسلطان من أعظم صور الأمانة، والصلح عند المصلحة لا ينقص من عزة المسلم.

المصدر: النوادر السلطانية لابن شداد؛ الكامل لابن الأثير؛ البداية والنهاية لابن كثير في حوادث سنة 587 إلى 589 هـ؛ القرآن الكريم: سورة الأنفال وسورة التوبة؛ صحيح البخاري ومسلم: حديث أبي هريرة «ليس الغنى عن كثرة العرض»؛ صحيح البخاري: كتاب الوصايا، باب الوصايا (حديث عمرو بن الحارث رضي الله عنه في ترك النبي ﷺ).

الدرجة: الأحداث الكبرى ثابتة مشهورة؛ وتفاصيل وفاته وتركته وفاكهة ريتشارد منقولة عن ابن شداد الشاهد القريب ولا إسناد حديثي لها فيتحفظ في حرفيتها؛ والأحاديث المذكورة في الصحيحين