Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)مشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

المنصورة سنة 648 هـ: هزيمة لويس التاسع وأسره في مصر

الملك الصالح نجم الدين أيوب وشجر الدر والمماليك البحرية

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مقدمة: حملة على مصر

في سنة سبع وأربعين وستمائة للهجرة (1249م) نزل ملك فرنسا لويس التاسع بجيشه قرب دمياط في مصر، في الحملة الصليبية السابعة، وكان يقصد ضرب مصر قلب القوة الإسلامية في ذلك الوقت، ثم التوجه إلى بيت المقدس. وهذه الحملة ذكرها المقريزي وابن كثير وابن تغري بردي، وتكلم عنها المؤرخون الفرنسيون كجوانفيل الذي رافق الملك، فاجتمعت فيها المصادر الإسلامية والأوروبية على أصل الوقائع واختلفت في كثير من التفاصيل.

سقوط دمياط ووفاة السلطان

كان السلطان الصالح نجم الدين أيوب مريضًا حين وصل الصليبيون، وكانت قوته في المنصورة التي أنشأها على النيل. وتذكر كتب التاريخ أن حامية دمياط انسحبت من المدينة لما رأت الخطر، فتركها المسلمون وسقطت بيد الصليبيين في صفر من تلك السنة من غير قتال كبير. وغضب السلطان من ذلك أشد الغضب فعاقب بعض أمراء الحامية، وهذه الرواية يرويها المؤرخون ولا نملك تفاصيلها الدقيقة. ثم توفي السلطان الصالح في الخامس عشر من شعبان سنة سبع وأربعين، وهو في المنصورة والصليبيون على مقربة.

شجر الدر تكتم الخبر

وتذكر الروايات المشهورة أن زوجته شجر الدر كتمت خبر وفاته، وأخفت جثمانه، وكانت تصدر الأوامر باسمه وتقول إن السلطان مريض لا يراه أحد، بمعونة قائد الجيش فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ والخادم الذي يدير القصر، حتى لا ينهار الجيش وتنهار معنويات الناس أمام العدو، واستُدعي ابنه الأكبر توران شاه من حصن كيفا. ونص المؤرخون على أنها أبقت الأمر سرًا فترة، وفي تفاصيل مدة الكتمان خلاف لا نجزم فيه.

معركة المنصورة

في أواخر ذي القعدة من السنة، عبر الصليبيون بقيادة أخي الملك روبرت دارتوا قناة أشمون بإرشاد رجل محلي على ما تذكره مصادر الفرنجة والمسلمين، ودخلوا المنصورة، فهجموا على معسكر المسلمين فجرًا. وقُتل قائد الجيش فخر الدين وهو في الحمام أو بعد خروجه فيما يرويه بعضهم، وفي التفاصيل خلاف. وتصدّى المماليك البحرية، ومنهم ركن الدين بيبرس البندقداري، لهجوم الفرنسيين في أزقة المدينة، فهزموهم وقتلوا روبرت وكثيرًا من فرسان الهيكل. وقد انقلب مجرى المعركة في مدى ساعات.

وفي القرآن الكريم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران]. وبيّن الطبري وابن كثير أن الآية في فضل الصبر بعد الابتلاء.

الحصار وقطع الإمداد

وصل توران شاه إلى المنصورة وتولى القيادة، فاستخدم المسلمون سفنًا خفيفة وقطعوا طرق الإمداد النيلية على الصليبيين، فتفشى فيهم الجوع والمرض، ولم يعد لهم مقام. فقرر الملك لويس الانسحاب نحو دمياط، لكن المسلمين لاحقوه، وفي المحرم من سنة ثمان وأربعين، عند بلدة فارسكور، حُسمت المعركة، وأُسر الملك لويس التاسع وجماعة كبيرة من أمرائه. وقد أبدى المؤرخون الغربيون كجوانفيل في كتابه تفاصيل أسره ومرضه، ولا نعتمد هنا على أعداد القتلى أو الأسرى لتضارب الروايات.

دار ابن لقمان

وتذكر كتب التاريخ أن الملك لويس احتُجز في المنصورة في دار تنسب إلى إبراهيم بن لقمان، وكان من كتّاب الإنشاء على ما يذكر المؤرخون، ويُنسب إلى الشاعر جمال الدين ابن مطروح أبيات مشهورة في ذلك، يخاطب بها الملك الفرنسي:

قل للفرنسيس إذا جئته: مقال صدق من قؤول نصوح أتيت مصرًا تبتغي ملكها: تحسب أن الزمر يا طبل ريح

وفي آخر هذه القصيدة المنسوبة إليه قوله: دار ابن لقمان على حالها، والقيد باقٍ والطواشي صبيح. والأبيات مشهورة في كتب الأدب والتاريخ بنسبتها إلى ابن مطروح، ولا نحتج بحرفيتها ولا بكل ما نسب إليه، فإن الرواية تتفاوت في ألفاظها، وغاية ما فيها الدلالة على أن الحدث ترك أثرًا في الشعر.

الفدية ونهاية القصة

انتهى الأمر بصلح، بتسليم دمياط ودفع فدية للملك ولأمرائه، ثم رحل الصليبيون عن مصر. ولا نذكر مقدار الفدية لأن الأرقام في المصادر متفاوتة. وفي المحرم من السنة نفسها قتل المماليك السلطان توران شاه الذي أغضبهم بتصرفاته، فآلت السلطة بعد حين إلى شجر الدر ثم إلى المماليك، وبدأت دولة المماليك. وتذكر بعض الكتب أن الخليفة العباسي المستعصم أرسل رسالة غاضبة بسبب تولي امرأة الحكم، ونصها المروي عنه فيه أنه إن كانت الرجال قد عُدمت عندكم فأعلمونا نرسل إليكم رجلًا، وهذه عبارة تنقلها الكتب المتأخرة، ولا يمكننا الجزم بنسبتها حرفيًا.

وتأمل في هذا قول الله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد]. فقد انتصر المسلمون وهم في أشد الضيق بعد موت سلطانهم وسقوط ثغرهم، لأنهم ثبتوا، ولأن القيادة استطاعت ألا تنهار.

بيان الدرجة

الحملة على مصر وسقوط دمياط ووفاة السلطان الصالح ومعركة المنصورة وأسر لويس التاسع وتسليم دمياط بفدية أحداث ثابتة مشهورة في المصادر الإسلامية والأوروبية. وكتمان شجر الدر الخبر، ومقتل فخر الدين، وتفاصيل الأبيات المنسوبة لابن مطروح، ورسالة الخليفة، وعدد القتلى والأسرى ومقدار الفدية متفاوتة الرواية أو غير موثقة فلا يجزم بها.

العبرة

الثبات عند الشدائد وكتمان الضعف عن العدو من أسباب النصر، والصبر بعد المصيبة يغيّر مجرى الأحداث.

المصدر: السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي؛ النجوم الزاهرة لابن تغري بردي؛ البداية والنهاية لابن كثير في حوادث سنة 647 و648 هـ؛ مذكرات جوانفيل عن لويس التاسع؛ القرآن الكريم: سورة آل عمران وسورة محمد.

الدرجة: أصل الحملة والنصر وأسر الملك ثابت مشهور في المصادر الإسلامية والأوروبية، وتفاصيل كتمان شجر الدر ومقتل فخر الدين والأبيات المنسوبة لابن مطروح ورسالة الخليفة وأعداد القتلى والفدية متفاوتة أو غير موثقة