مقدمة: سلطان العلماء
هو الإمام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي الشافعي، وُلد في دمشق نحو سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وبرع في الفقه والأصول والتفسير، وتولى الخطابة والتدريس في دمشق، ثم انتقل إلى مصر وتولى القضاء. وله مؤلفات منها «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» الذي يُعد من أعظم كتب مقاصد الشريعة، و«الإمام في أدلة الأحكام». ولقّبه تلميذه ابن دقيق العيد بسلطان العلماء كما يروى. وقد ذكر سيرته السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى» وابن كثير والذهبي وغيرهم.
موقفه من الصالح إسماعيل
كان صاحب دمشق الصالح إسماعيل قد تحالف في نحو سنة ثمان وثلاثين وستمائة مع الصليبيين ضد صاحب مصر الصالح أيوب، وأعطاهم حصونًا في الشام ومنها صيدا وقلعة الشقيف مقابل الدعم، كما تذكر كتب التاريخ. فأنكر العز عليه ذلك على المنبر، وترك الدعاء له في الخطبة، فغضب الصالح إسماعيل وعزله من الخطابة وسجنه، ثم أفرج عنه، فخرج إلى مصر. وهذا ثابت في كتب التراجم، مع اختلاف في تفاصيل الحبس والمدة.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود]. وثبت في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه جمع من أهل العلم أن النبي ﷺ قال: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر».
قاضي القضاة في القاهرة
وصل العز إلى مصر سنة تسع وثلاثين وستمائة، فقابله الصالح أيوب ورحب به، وولاه قضاء القاهرة وخطابة جامع عمرو بن العاص. ويذكر المؤرخون أن العز بقي على إنكاره للمنكرات، فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يخشى أحدًا، وقد روي عنه مواقف كثيرة، أشهرها ما نذكره هنا.
مسألة المماليك
تحكي كتب التراجم، ومنها السبكي، أن العز نظر في وضع الأمراء المماليك الذين كانوا يتصرفون في الدولة، فرأى أنه لم يثبت لهم عتق، وأنهم ما زالوا في الحكم الشرعي أرقاء، وأن الملك فيهم لبيت المال. وبناءً على ذلك رأى أن تصرفاتهم في القضاء والنكاح والبيع غير صحيحة قبل العتق، فامتنع عن إمضاء بعض أحكامهم وأوقف الأمر على أن يباعوا ويُعتقوا فيصيروا أحرارًا. وهذه مسألة فقهية دقيقة لا يجزم بتفاصيلها إلا من رجع لكلام الفقهاء.
الخروج من القاهرة
لما علم الأمراء بذلك غضبوا غضبًا شديدًا، وتشاوروا في الأمر، وأرسلوا إلى العز يطلبون منه التراجع، فأبى. فقرر الخروج من القاهرة وحمل أهله على حمار، وسار نحو الشام، فتبعه خلق كثير من الناس والعلماء والتجار والنساء والصبيان كما ذكر السبكي، فلما بلغ السلطان خبر خروجه خشي من الفتنة، فبعث إليه من يسترضيه ويطلب عودته. ويروى أن بعض كبار رجال الدولة لحقوا به وطلبوا منه الرجوع. وفي تفصيل من هو السلطان ومن هو النائب اختلاف بين الروايات.
حادثة السيف
ثم تروي الكتب خبرًا مشهورًا: أن النائب غضب غضبًا شديدًا لما سمع أن العز سيبيعهم، فجاء إلى بيت العز بسيفه ليقتله، فطرق الباب، فخرج ابنه الشاب مرتبكًا وأخبر أباه، فقال العز لابنه: يا بني، أبوك أقل من أن يُقتل في سبيل الله، وخرج إليه، فلما رآه النائب ارتجفت يده وسقط السيف منه، وخضع للأمر على ما تروي الكتب، وبقي العز على ما عزم عليه. وهذه القصة مشهورة في كتب التراجم، لكن نسبتها وتفاصيلها تتفاوت من مصدر إلى آخر، فلا نجزم بحرفيتها، ويكفي أنها تدل على ما كان للعز من منزلة وجرأة.
النداء عليهم
ويذكر السبكي أن العز باشر البيع بنفسه، فنادى على الأمراء واحدًا واحدًا، وقبض الثمن، وأودعه بيت المال، وأعتقهم بعد ذلك. وهذا القدر هو أشهر ما يرويه المترجمون عن هذه القصة. وأما تحديد الزمن (في عهد الصالح أيوب أم بعده في عهد أيبك) فمختلف فيه، ولذلك لا نربطه بتاريخ معين.
فقه المصالح والمفاسد عند العز
ألّف العز بن عبد السلام كتابه «قواعد الأحكام في مصالح الأنام»، وقرر فيه أن أحكام الشريعة تدور في مجموعها على جلب المصالح ودرء المفاسد، وأن الموازنة بينها من أصول الاجتهاد. وهذا المعنى هو الذي يفسر مواقفه: فهو لا يقدم على إنكار المنكر بغير نظر في عاقبته، ولا يسكت عن الباطل خوفًا من السلطان. ولهذا يحسن أن يُفهم موقفه من الأمراء المماليك في ضوء هذا المنهج: حماية الحقوق العامة وتصحيح التصرفات التي تترتب عليها أحكام شرعية.
وفي القرآن الكريم: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران]. وروى مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وقد قرر العلماء أن للإنكار شروطًا، منها أن لا يترتب على الإنكار منكر أعظم منه، وكان العز يراعي ذلك في الجملة، وقد ذكر هو في قواعده ضرورة النظر في المصالح والمفاسد.
وفاته
توفي العز في القاهرة في العاشر من جمادى الأولى سنة ستين وستمائة، وكان قد جاوز الثمانين، وصلى عليه خلق كثير على ما تذكر كتب التراجم، ولا نجزم بمن حضر جنازته من أهل الدولة، ويكفي أنه مات مكرمًا معظمًا بين الناس.
بيان الدرجة
حياة العز بن عبد السلام (دمشق، إنكاره على الصالح إسماعيل، قدومه مصر، قضاؤه، مؤلفاته) ثابتة مشهورة. أما قصة بيع الأمراء المماليك فمشهورة في كتب التراجم (السبكي)، لكن تفاصيل الحكم الفقهي وخروجه وحادثة السيف والعبارة المنسوبة للعز وزمن الحادثة متفاوتة بين الروايات، فلا نجزم بها. وحديث أفضل الجهاد كلمة حق رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
