Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)مشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

سقوط بغداد سنة 656 هـ على يد هولاكو

الخليفة المستعصم بالله وهولاكو

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مقدمة: نهاية عاصمة الخلافة

في صفر من سنة ست وخمسين وستمائة للهجرة (فبراير 1258م) سقطت بغداد، عاصمة الدولة العباسية، بيد التتار بقيادة هولاكو بن تولوي حفيد جنكيزخان. وكان ذلك من أعظم الكوارث في تاريخ الإسلام، إذ انتهت به الخلافة العباسية في بغداد التي دامت خمسة قرون، وقُتل أهل البلد وخُرّبت دورها ومدارسها. وقد ذكر هذه الحادثة ابن كثير في «البداية والنهاية» والذهبي في «تاريخ الإسلام» وغيرهما.

مقدمات السقوط

كان المغول قد اجتاحوا في الأربعين سنة السابقة بلاد خوارزم وخراسان وما وراء النهر بقيادة جنكيزخان، وما وقع هناك معروف من التدمير الشديد. وبعد وفاته وانشقاق ممالكه، أرسل أخوه الأكبر منكو قان أخاه هولاكو إلى الغرب، فسقطت قلاع الإسماعيلية (الحشاشين) على يده، ثم أرسل إلى الخليفة المستعصم يطلب منه الطاعة، ولكن الخليفة تردد وأخطأ في تقدير القوة. ويذكر المؤرخون ضعف الجند وقلة الاستعداد وإهمال الاعتناء بالجيش لتوفير الأموال، وانتشار الفتن بين السنة والشيعة في بغداد قبل السقوط.

الخيانة المزعومة

ومن أكثر ما كُتب عن سقوط بغداد قصة الوزير ابن العلقمي الشيعي، الذي اتهمه جمهور المؤرخين المتأخرين بأنه راسل المغول ومالأهم لإسقاط الخلافة العباسية، وأنه سعى إلى تقليل الجيش وتسريح الجند. ونقل ابن كثير بعض هذا الاتهام. لكن بعض الباحثين المعاصرين يرون أن تفاصيل الخيانة ليست ثابتة بالأدلة القاطعة، وأن ضعف الدولة وأسبابه الداخلية كافية لتفسير السقوط، ولذا ننبه القارئ إلى أن الحكم على نيات الأشخاص يحتاج دليلًا، ولا يجوز الجزم بما لم يثبت، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء]. ونكتفي بأن اتهامه مشهور في كتب التاريخ، وأن الثبوت القطعي ليس متحققًا.

الحصار والاستسلام

حاصر جيش هولاكو بغداد من عدة جهات في أواخر محرم، وضربها بالمجانيق، فسقط السور الشرقي، ثم جرت مفاوضات انتهت بخروج الخليفة إلى هولاكو مع أولاده ورجاله. وهنا اختلفت الروايات في كيفية معاملة هولاكو له، لكن اتفقت المصادر على أن الخليفة قُتل بعد ذلك بأيام، ولا يصح الجزم بكيفية قتله، فبعض الكتب تذكر أنه لُفّ في بساط وديس بالخيل، وهذه رواية متأخرة مشهورة، وبعضها يذكر غير ذلك. ثم دخل المغول المدينة ومكثوا فيها يقتلون وينهبون نحو أربعين يومًا في بعض الروايات. وأعداد القتلى مختلف عليها اختلافًا شديدًا فلا نذكرها.

ما ضاع من العلم

ذكر المؤرخون أن الغزاة أحرقوا المكتبات ودور العلم، وأن كتبًا كثيرة أُلقيت في نهر دجلة حتى اسودّ ماؤه بالحبر، على حد قول بعض الكتب المتأخرة. وهذه الروايات تتفاوت في ثبوتها وفي مبالغاتها، والثابت في الجملة أن المدينة تضررت ضررًا بالغًا، وأن العلم أصابه نكبة كبيرة، وإن نجا كثير من علمائها ومخطوطاتها إلى دمشق والقاهرة. ويذكر المؤرخون أن ممن قُتل يومئذ من أهل العلم والمناصب محيي الدين يوسف بن ابن الجوزي، مما يدل على أن العلماء لم يسلموا.

عبرة السقوط

بيّن القرآن أن الأمم تُبتلى بسنن ثابتة، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد]. وفسّر الطبري وابن كثير الثانية بأن الله لا يسلب قومًا نعمة حتى يغيروا ما هم عليه من الطاعة والشكر. ومن عبر هذه الحادثة أن الفرقة والترف وإهمال الدفاع وتنازع الأمراء مهدت للغزو.

لكن الله لم يترك الأمة، فبعد سنتين انتصر المماليك على المغول في عين جالوت، وتحول مركز القوة إلى مصر، وعاد الإسلام ينتشر بين المغول أنفسهم بعد حين، وكان ذلك من لطف الله. وسنفرد هذه المرحلة بقصة.

ما أصاب أهل بغداد من العلماء والعامة

يذكر المؤرخون أن بعض أهل بغداد نجوا بالاختباء في الآبار والأقبية، وأن بعضهم التجأ إلى دور بعض الأعيان الذين أمّنهم المغول، وأن طائفة من النصارى خُصّت بالأمان بتوجيه من زوجة هولاكو التي كانت نصرانية، على ما تذكر المصادر، ولا نعتمد على تفصيل هذه الرواية. وهرب كثير من العلماء إلى الشام ومصر قبل السقوط وبعده، وهؤلاء حفظوا العلوم في دمشق والقاهرة، فكانت مصر والشام منطلقًا لنهضة علمية في العصر المملوكي ظهر فيها ابن تيمية والنووي والذهبي وابن كثير وغيرهم.

الصبر على المصيبة

قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة]. وقد ذكر ابن كثير في هذه الآيات أن الله يبتلي عباده بأنواع البلاء ليظهر الصابر من الجازع. وليس معنى الصبر الاستسلام، بل الثبات والعمل على إصلاح الحال، كما فعل المسلمون بعد السقوط حين أعادوا بناء قوتهم.

الاختلاف والفشل

وقد بيّن الله أن التنازع سبب الفشل فقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال]، وقد قال ابن كثير والسعدي في تفسيرها ما معناه أن الفرقة تضعف الأمة وتذهب قوتها. ولا ريب أن فتنة بغداد قبل السقوط، وخلاف الأمراء في الجيش، وقلة اهتمام الخلافة بإعداد القوة، كل ذلك يوضح هذا المعنى.

بيان الدرجة

سقوط بغداد في صفر سنة 656 هـ على يد هولاكو وانتهاء الخلافة العباسية في بغداد ثابت مشهور في كتب التاريخ. أما اتهام ابن العلقمي بالخيانة فمشهور عند المؤرخين لكنه غير مقطوع بثبوته، وكيفية قتل الخليفة، وأعداد القتلى، وإلقاء الكتب في دجلة وصبغ مائها بالحبر روايات متفاوتة أو مبالغ فيها فلم نجزم بها.

العبرة

الترف والفرقة وإهمال الدفاع تهيئ للأمم الزوال، والرجوع إلى الله وإصلاح النفوس سبب العودة بعد الكبوة.

المصدر: البداية والنهاية لابن كثير في حوادث سنة 656 هـ؛ تاريخ الإسلام للذهبي؛ القرآن الكريم: سورة الإسراء وسورة آل عمران وسورة الرعد.

الدرجة: سقوط بغداد وانتهاء الخلافة فيها ثابت مشهور؛ واتهام ابن العلقمي بالخيانة مشهور غير مقطوع به، وكيفية قتل الخليفة وأعداد القتلى وإلقاء الكتب في دجلة متفاوتة أو مبالغ فيها فلا يجزم بها