Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)مشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

عين جالوت: قطز يوقف زحف التتار

السلطان سيف الدين قطز

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مقدمة: بعد سقوط بغداد

بعد أن سقطت بغداد في صفر سنة ست وخمسين وستمائة ثم حلب ودمشق في السنة التالية بيد التتار، لم يبق من القوى الكبرى سوى مصر التي كان يحكمها المماليك. وكان هولاكو قد عاد إلى بلاده بعد وفاة أخيه الخان الأعظم، وترك قائده كتبغا في الشام. وهذه الأحداث رواها ابن كثير وابن تغري بردي والمقريزي، وقد شاع حولها كثير من الأقوال، وسنذكر المتفق عليه ونحذر من المبالغات.

قطز وتولي الحكم

سيف الدين قطز مملوك تركي (ويقال خوارزمي) تولى السلطنة في مصر في ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة بعد خلع الملك المنصور علي بن أيبك الصبي، لأن الظرف كان يقتضي رجلًا قويًا لمواجهة التتار. وتذكر المصادر أن الأمراء اجتمعوا على ذلك، وأنه وعد بأنه سيتنحى إذا انتهى الخطر. وهذه الرواية مشهورة في كتب التاريخ، لكن لا نملك تأكيدًا قاطعًا لنص الوعد.

رسالة هولاكو وقتل الرسل

أرسل هولاكو رسلًا إلى مصر برسالة تهديد، يطلب الاستسلام، ويذكر قوته وانتصاراته. فاستشار قطز الأمراء، فتردد بعضهم، ثم قرر قطز المواجهة، وأمر بقتل رسل التتار وتعليق رؤوسهم على باب زويلة في القاهرة، على ما ذكر المؤرخون، وفي عدد الرسل خلاف. وكان ذلك إعلان حرب. وقد اختلف الفقهاء في جواز قتل الرسل من حيث الأصل، فالأصل في الشرع حرمة قتل الرسل، فقد روى أبو داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال للرسولين اللذين جاءا من مسيلمة: «لولا أن الرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما»، وصححه الألباني وغيره. ومن العلماء من خرّج ما فعله قطز على أن الرسل أنفسهم أظهروا العداء وتهديدًا خطيرًا، وفي الأمر خلاف نبينه، ولا ننسبه إلى الإجماع. وهذا أحد المواضع التي لا يجوز إيراد الواقعة فيها دون تنبيه.

فتوى العز بن عبد السلام

ويذكر السبكي وغيره أن قطز استفتى العز بن عبد السلام في أخذ مال من الناس للإنفاق على الجيش، فأفتاه بجواز ذلك إذا لم يبقَ في بيت المال شيء، وبعد أن يخرج الأمراء ما عندهم من ذهب وحلي ويبيعوا مركوباتهم، فلا يُؤخذ من العامة إلا بعد أن يتساوى الأمراء معهم. وهي رواية مشهورة في كتب التراجم، لكن ليست مثبتة بسند، وبعض الباحثين يخلطونها برواية الظاهر بيبرس والنووي، فينبغي الحذر. وقد توفي العز سنة ستين وستمائة.

الخروج والمعركة

خرج قطز بجيشه من القاهرة في شهر شعبان سنة ثمان وخمسين وستمائة، واجتمع بجيش بيبرس في الصالحية، ثم تقدم إلى فلسطين. وكان بيبرس في طليعة الجيش، فتقدم نحو غزة، والتقى الجيشان في عين جالوت قرب بيسان يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة. وتذكر المصادر أن المعركة بدأت صعبة على المسلمين وأن الميسرة تراجعت قليلًا، فألقى قطز خوذته إلى الأرض وصاح: وا إسلاماه، ثلاث مرات، كما يروى عند المقريزي وابن تغري بردي، وحمل بنفسه، فثبت الجيش وانتصر. وهذه الرواية مشهورة، ولا نملك إسنادًا قويًا لها، فنذكرها بصيغة التمريض. وقُتل كتبغا في المعركة أو بعدها كما ذكر المؤرخون، وفي تفاصيل مقتله اختلاف.

وفي الصحيحين ذكر فضل الصبر والثبات عند اللقاء، ومنه قوله ﷺ: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا» رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه. وقال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة]، وهي الآية في قصة طالوت وجالوت، وليس بينها وبين اسم المكان صلة تفسيرية، وإنما تشابه الاسم فقط.

ما بعد النصر

دخل قطز دمشق وحرر الشام من التتار في أسابيع، وأرسل جيوشه فطردت من بقي منهم. ثم عاد إلى مصر، لكنه قُتل في طريق العودة قرب القصير في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة على يد جماعة من الأمراء، ويشير المؤرخون إلى ضلوع بيبرس في ذلك، ولا يمكن الجزم بتفاصيل المؤامرة. وأثنى عليه المؤرخون كثيرًا، ورأوا أنه من أسباب إنقاذ الشام ومصر.

رمضان شهر النصر

وقعت عين جالوت في العشر الأواخر من رمضان، وهو شهر وقعت فيه غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة وفتح مكة في السنة الثامنة، فصار ذلك مما يتفاءل به المسلمون في تاريخهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران]. ولا نقول إن النصر مرتبط بشهر دون شهر، فالنصر من الله وحده، ولكن في الشهر الفضيل مزيدًا من الطاعة والدعاء.

الانقسام بين المغول

ومن أسباب نجاح المسلمين أن المغول أنفسهم كانوا منقسمين بين فرعين، ففرع إيران بقيادة هولاكو وفرع القبيلة الذهبية في القفقاز وروسيا بقيادة بركة خان الذي دخل في الإسلام على ما تذكر المصادر الإسلامية، فتحالف مع المماليك ضد هولاكو. وهذا ما يشير إليه المؤرخون كالمقريزي، وإن كانت تفاصيل تحول بركة إلى الإسلام وزمنها محل نقاش. ومن هذا يتبين أن الأحداث لم تجرِ بمعزل عن حركة التاريخ الواسعة.

حدود الوصف التاريخي

وفي كتب المناقب والسير الشعبية يحاط قطز بكثير من الأساطير، وقد يضاف إليها ما يُنسب إلى الصالحين المعاصرين. والواجب أن نقتصر في الحديث على ما اتفق عليه المؤرخون، وألا ننسب إلى الله تعالى تدخلًا غيبيًا معينًا دون دليل، وإنما نقول إن النصر من عند الله وإن هذا نعمة منه، ونعمل بالأسباب كما فعل المسلمون.

بيان الدرجة

عين جالوت في 25 رمضان سنة 658 هـ وانتصار المماليك على التتار ومقتل كتبغا ومقتل قطز بعد المعركة ثابتة مشهورة. أما صيحة قطز «وا إسلاماه» وإلقاؤه خوذته، وفتوى العز بن عبد السلام، ووعد قطز بالتنحي، وتفاصيل قتل الرسل وعددهم، ومقتل قطز ودور بيبرس، فمروية في المصادر ولا إسناد قويًا لها فلا يُجزم بها. وحديث ابن أبي أوفى في الصحيحين، وحديث الرسل في سنن أبي داود.

العبرة

الثبات والتوكل وتوحيد الصف سبيل النصر، والتثبت في نقل الأخبار التاريخية من الأمانة.

المصدر: البداية والنهاية لابن كثير في حوادث سنة 658 هـ؛ السلوك للمقريزي؛ النجوم الزاهرة لابن تغري بردي؛ طبقات الشافعية الكبرى للسبكي؛ القرآن الكريم: سورة البقرة؛ صحيح البخاري ومسلم: كتاب الجهاد، حديث عبد الله بن أبي أوفى «لا تتمنوا لقاء العدو»؛ سنن أبي داود: كتاب الجهاد، باب في الرسل (حديث ابن مسعود رضي الله عنه).

الدرجة: المعركة ونتيجتها ومقتل كتبغا ثابتة مشهورة؛ وصيحة قطز وفتوى العز ووعد التنحي وتفاصيل قتل الرسل ومقتل قطز ودور بيبرس مروية دون إسناد قوي فلا يجزم بها؛ وأحاديث الصبر والرسل ثابتة