مقدمة: مملوك يصبح سلطانًا
الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري (ويقال إنه من أصل قفجاقي) كان من مماليك الصالح أيوب، وبرز في المنصورة وعين جالوت، ثم تولى السلطنة في مصر في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، عقب مقتل قطز. وحكم نحو ثمانية عشر عامًا إلى وفاته سنة ست وسبعين وستمائة. وقد ذكر سيرته ابن عبد الظاهر في «الروض الزاهر» وهو من كتّاب بلاطه، والمقريزي وابن كثير وابن تغري بردي، وكتب بعضهم عن مزاياه وعيوبه.
دولة تتعامل مع المخاطر
أدرك بيبرس أن التتار ما زالوا قوة تهدد الشام والعراق، وأن الصليبيين يحتلون ساحل الشام. فأعاد بناء الجيش وزاد الأساطيل، ورمّم الحصون، وأنشأ شبكة البريد (البريد السلطاني) التي تنقل الأخبار بسرعة بين القاهرة ودمشق، على ما ذكره المؤرخون. كما أصلح الموانئ والجسور. وقد صار الشام تحت إدارة مصر، وتحول المركز السياسي إلى القاهرة.
إحياء الخلافة العباسية
بعد سقوط بغداد وقتل الخليفة المستعصم، بقيت الأمة بلا خليفة سنوات. فاستقدم بيبرس في رجب سنة تسع وخمسين وستمائة أحد أفراد البيت العباسي، وهو أبو القاسم أحمد المستنصر بالله، عم الخليفة المقتول، إلى القاهرة، واستقبله بالحفاوة، وثبت نسبه بشهادة جماعة أمام القضاة، وبايعه القضاة والعلماء ثم بايعه السلطان. وهذه الواقعة ثابتة مشهورة، وإن كانت بعض تفاصيل الشهادة على النسب والمراسم متفاوتة. ثم جهّزه بيبرس بجيش لاسترداد بغداد، لكن الحملة انتهت بقتل المستنصر على يد التتار في العراق في المحرم سنة ستين وستمائة، وفي تفاصيل مقتله خلاف. ثم أقام بيبرس خليفة آخر هو الحاكم بأمر الله أحمد سنة إحدى وستين وستمائة، فبقي في القاهرة وبقي أبناؤه من بعده خلفاء رمزيين نحو قرنين ونصف.
ومن الإنصاف أن نذكر أن العلماء ينظرون إلى هذه الخلافة في القاهرة على أنها كانت خلافة اسمية في جانبها السياسي، فلم تكن ذات سلطة، وأنها كانت أداة لتشريع حكم المماليك، ولكنها أبقت للأمة رمزًا يجتمع حوله المسلمون. وقد قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء... وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون»، وهو في سياق بيان أهمية الإمامة، وفي المسألة تفصيل فقهي ليس هنا موضعه.
الجهاد ضد الصليبيين
افتتح بيبرس في عهده مدنًا وقلاعًا كثيرة من الصليبيين، فاستولى على قيسارية وأرسوف وصفد ويافا. وأعظم فتوحاته أنطاكية، التي فُتحت في رمضان سنة ست وستين وستمائة. ويذكر المؤرخون أن المدينة كانت من أقدم الإمارات الصليبية، وأن فتحها كان ضربة كبيرة، وأن المسلمين قتلوا بعض أهلها وأسروا آخرين، وتختلف الروايات في الأعداد، ولا نذكرها. وتذكر بعض كتب الغرب أنه كتب رسالة تهكمية إلى صاحب أنطاكية، وينقل ابن عبد الظاهر رسالة بهذا المعنى، لكن لا نتثبت من حرفيتها.
إصلاحات دينية وإدارية
من الأمور المشهورة عن بيبرس أنه عيّن في سنة ثلاث وستين وستمائة أربعة قضاة للقضاة، من كل مذهب سني قاضٍ (الشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي)، ولم يكن في مصر إلا القاضي الشافعي، وفي ذلك توسعة على الناس وفتح لباب الحقوق، وإن رأى بعضهم أنه جعل الأمر فرصة للتحكم. وأمر بإراقة الخمور وإغلاق الحانات في بعض الفترات كما ذكر المؤرخون، ثم أعاد الضرائب عليها. وقام بعمارة الحرم المكي والمدني وكسوة الكعبة، واهتم بعمارة المسجد الأقصى وقبة الصخرة. وأنشأ المدرسة الظاهرية في القاهرة وأخرى في دمشق. وفي هذه المنجزات ثناء كبير في المصادر.
عيوبه ومآخذ العلماء
لكن بيبرس لم يكن بلا مآخذ، فقد وصفه بعض المؤرخين بالقسوة والسياسة الصارمة، وبالتحايل أحيانًا في الاستيلاء على الأموال، وبعدم رحمة خصومه. وكان بعض العلماء يخالفونه، ومنهم الإمام النووي الذي رفض أن يوافق على بعض أوامر السلطان، وهو ما سنفرد له قصة. وقد ذكر الذهبي أن لبيبرس حسنات وسيئات.
وفاته
توفي في دمشق في المحرم سنة ست وسبعين وستمائة، ويقال إنه مات من سمّ شربه خطأ من قدح كان معدًّا لغيره، وفي هذه الرواية اختلاف كبير، ولا يصح الجزم بها، فبعضهم يرد وفاته إلى مرض أو جرح. وكان حكمه خاتمة لعصر الإمارات الصليبية الكبرى، إذ توالت الضربات على الصليبيين بعده، وسقطت عكا سنة تسعين وستمائة على يد الأشرف خليل.
على الجبهة الشرقية
واجه بيبرس التتار في أكثر من موضع، ففي سنة خمس وسبعين وستمائة خرج إلى الأناضول وانتصر على جيش تتري في معركة أبلستين (الألبستان) قرب قيسارية، ثم دخل قيسارية، لكنه عاد إلى الشام لما قدّر أن بقاءه لا يخدم. ويذكر المؤرخون أن تلك الغزوة كانت من أبعد حملاته عن مصر، وأن مرضه عاد إليه بعدها، وتوفي بعد أشهر. والتفاصيل العسكرية، وأعداد الجيوش، تتفاوت بين المصادر.
الحج وخدمة الحرمين
ويذكر المؤرخون أنه حجّ سنة سبع وستين وستمائة، وأنه اعتنى بالحرمين وكسوة الكعبة، وأرسل المحمل المصري، وأقام في الحجاز ما يؤمّن الطرق. وقد ورد في القرآن: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران]، فتأمين الطريق للحجاج من واجبات ولاة الأمر. وقد ذكرنا ما نقله المؤرخون، ولا نجزم بتفاصيل زيارة بيبرس للكعبة ودخوله فيها.
بيان الدرجة
حياة بيبرس وتوليه السلطنة، وإحياء الخلافة العباسية في القاهرة، وفتح أنطاكية، وتعيين أربعة قضاة، وعمارة المشاهد والمدارس، ووفاته سنة 676 هـ ثابتة مشهورة. أما أعداد من قتل في أنطاكية، والرسالة التهكمية، ورواية السم، وتفاصيل إجراءاته على الخمور فمتفاوتة أو غير موثقة فلا يجزم بها. وحديث تسوسهم الأنبياء في الصحيحين.
