Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)مشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

النووي طالب علم في دمشق: اثنا عشر درسًا في اليوم

الإمام يحيى بن شرف النووي

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مقدمة: غلام من قرية نوى

وُلد يحيى بن شرف بن مري النووي في المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة في قرية نوى من أرض حوران جنوب دمشق، ونشأ في أسرة متواضعة، وكان أبوه يعمل في تجارة صغيرة. ومصدر أكثر ما يُعرف عن سيرته كتاب تلميذه علاء الدين ابن العطار «تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين»، وما كتبه السخاوي في «المنهل العذب الروي»، والذهبي واليافعي وغيرهما. وفي بعض هذه المصادر مبالغات في الثناء أو أخبار لا إسناد لها، سننبه عليها.

القصة المشهورة عن طفولته

يروي ابن العطار ومن بعده أن الغلام النووي كان في السابعة أو العاشرة، فأكرهه الصبيان على اللعب، فكان يهرب منهم ويبكي ويقرأ القرآن، وأن الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي رآه على هذه الحال فأخبر أباه أن هذا الغلام يُرجى له أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم، وأن ينتفع به الناس. فحرص أبوه على تعليمه حتى قدم به إلى دمشق وهو في التاسعة عشرة سنة تقريبًا. وهذه من الروايات المشهورة في ترجمته، وهي منقولة عن شيخه المراكشي، ولكن لا يمكن التحقق منها إلا بالثقة في الناقل، وهم من تلاميذه، وقد جرت عادة المترجمين أن يعظّموا شيوخهم، فنذكرها على سبيل الحكاية.

في دمشق

قدم النووي دمشق سنة تسع وأربعين وستمائة، وسكن المدرسة الرواحية القريبة من الجامع الأموي، وهي مدرسة للطلاب الغرباء. وتذكر كتب التراجم أنه أقام فيها سنين يطلب العلم ليلًا ونهارًا. وأخذ العلم عن جماعة من علماء الشام، منهم أبو إسحاق المرادي، وكمال الدين إسحاق المغربي، وعبد الرحمن بن نوح، وعز الدين بن أبي عمر المقدسي، وابن الفركاح. ويذكر ابن العطار أن النووي حجّ في سنة إحدى وخمسين وستمائة مع أبيه، وأقام في المدينة المنورة مدة، ثم رجع.

اثنا عشر درسًا

ومن أشهر ما يروى عن النووي ما نقله ابن العطار عنه أنه كان يحضر في اليوم اثني عشر درسًا على المشايخ: درسان في الوسيط، ودرس في المهذب، ودرس في الجمع بين الصحيحين، ودرس في صحيح مسلم، ودرس في اللمع في النحو، ودرس في إصلاح المنطق، ودرس في التصريف، ودرس في أصول الفقه، ودرس في أسماء الرجال، ودرس في أصول الدين. وكان يكتب كل ما يتعلق به من شرح وإيضاح لمشكل ولغة. وهذه الرواية صادرة عن الإمام نفسه كما ينقل تلميذه ابن العطار، وهي مشهورة جدًا، وإن لم يذكر بعض الكتب ترتيب الدروس بالتفصيل، وتتفاوت الروايات فيه، ولذلك لا نجزم بأسماء الكتب كلها.

وفي القرآن الكريم: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر]، وبيّن ابن كثير في تفسير الآية أن العلماء بالله هم أخشى الناس له، لأن من عرف الله العظيم القدير العليم بالصفات الكاملة والأسماء الحسنى كانت خشيته له أعظم. وقد روى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة».

بساطة العيش

وصفه تلميذه بأنه كان يتحرى القليل، فلا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة بعد العشاء، ويشرب شربة واحدة وقت السحر، وأنه كان يقلل من نومه، وأنه كان يتجنب بعض الفواكه خشية أن تجلب له النعاس. ومعظم هذه الأخبار مأخوذة من تلميذه وتفتقر إلى إسناد، وقد جرت عادة الكتّاب أن ينسبوا إلى أئمة العلم والزهد شيئًا من المبالغة، فنقبل المعنى العام وهو قلة الأكل والنوم، ولا نجزم بكل التفاصيل. ويقول بعض العلماء إن الإفراط في ذلك مخالف للسنة، وقد قال النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما المتفق عليه: «إن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا»، فهذه الأخبار تُذكر للعبرة بالاجتهاد في طلب العلم لا للإقتداء في كل تفاصيلها.

التدريس والتصنيف

في سنة خمس وستين وستمائة تولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بعد وفاة أبي شامة، وكان لا يأخذ على ذلك راتبًا، ويذكر ابن العطار أنه لم يأخذ أجرًا على التدريس طوال حياته. وله مؤلفات مشهورة ما زالت متداولة، منها «رياض الصالحين» و«الأذكار» و«الأربعون النووية» و«شرح صحيح مسلم» و«المجموع شرح المهذب» الذي لم يتمه، و«روضة الطالبين» و«منهاج الطالبين». وقد ظل أعزب لا يتزوج، كما ذكر ابن العطار، وهذا خلاف الأصل في الشرع وهو الترغيب في النكاح، لكن الذي دفعه لذلك على حد ما ذكر انشغاله بالعلم، ولا يُقتدى به فيه.

وفاته

توفي النووي في الرابع والعشرين من رجب سنة ست وسبعين وستمائة في قريته نوى، بعد أن زار القدس والخليل، وكان عمره خمسًا وأربعين سنة تقريبًا. وبكى عليه الناس في دمشق، وقد ورد أن العلماء أنشدوا المراثي فيه. وبقيت مؤلفاته تدرّس إلى يومنا هذا.

أثره بعد وفاته

من أشهر كتب النووي «رياض الصالحين»، وقد ذكر في مقدمته أنه يلتزم ألا يورد فيه إلا حديثًا صحيحًا من الكتب المعتمدة، ومع ذلك نبّه بعض العلماء على أن فيه أحاديث ضعيفة قليلة، وهذا لا ينقص من قدر الكتاب، وإنما يدل على أن العالم الكبير قد تفوته بعض الأمور. وقد افتتح «رياض الصالحين» و«الأربعين النووية» بحديث الأعمال بالنيات، رواه البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تنبيهًا إلى إخلاص النية في طلب العلم وفي كل عمل. وقد قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».

وكانت وفاة النووي في ريعان العمر، قبل أن يتم مصنفاته الكبرى، فبقي «المجموع» غير تام، وتممه من بعده السبكي ولم يكمله أيضًا. وفي هذا عبرة أن العمر لا يعين على ما يريده الإنسان كله، وأن المؤمن يعمل ما استطاع ويترك الباقي لله. قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن].

بيان الدرجة

سيرته الأساسية (ولادته في نوى، قدومه دمشق سنة 649 هـ، شيوخه، تدريسه في الأشرفية، مؤلفاته، وفاته سنة 676 هـ) ثابتة مشهورة. أما قصة الصبيان وياسين المراكشي، وأسماء الدروس الاثني عشر، وأوصاف طعامه ونومه، وعزوبته، فمنقولة عن تلميذه ابن العطار دون إسناد معتبر وفي بعضها مبالغات، فتُقرأ بتحفظ. وحديثا من سلك طريقًا وإن لجسدك عليك حقًا صحيحان.

العبرة

الجد في طلب العلم والإخلاص فيه يبقي أثر العالم قرونًا، مع التوازن بين العبادة وحق النفس.

المصدر: تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين لابن العطار؛ المنهل العذب الروي للسخاوي؛ سير أعلام النبلاء للذهبي؛ القرآن الكريم: سورة طه وسورة فاطر؛ صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن (حديث أبي هريرة في من سلك طريقًا)؛ صحيح البخاري ومسلم: حديث عبد الله بن عمرو «إن لجسدك عليك حقًا».

الدرجة: سيرته الأساسية ثابتة مشهورة؛ وقصة طفولته وأسماء الدروس وأوصاف طعامه ونومه منقولة عن تلميذه ابن العطار دون إسناد معتبر وفيها مبالغات؛ والأحاديث المذكورة صحيحة