Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)مشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

النووي والظاهر بيبرس: الإنكار على السلطان

الإمام النووي والسلطان بيبرس

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مقدمة: عالم زاهد وسلطان قوي

من الأخبار المشهورة في ترجمة الإمام النووي أن له موقفًا مع السلطان الظاهر بيبرس في آخر حياته، رفض فيه أن يوافق على أمر رآه مخالفًا للشرع، فأُخرج من دمشق ومات بعد ذلك بقليل. وقد تناقلت كتب التراجم هذه الحادثة، ومنها كتب اليافعي والذهبي والسخاوي، لكن تفاصيلها متباينة، ولهذا يحسن أن نعرض ما يتفق عليه المؤرخون، وننبه على ما فيه خلاف أو ضعف.

خلفية الحادثة

كان بيبرس يدير حربًا ضد التتار، وجاء إلى دمشق سنة ست وسبعين وستمائة بعد حملته الأخيرة في الأناضول، وتذكر الروايات أنه احتاج إلى مال للإنفاق على الجند، وأنه أصدر أمرًا يتعلق بأموال الناس أو بساتين دمشق وغوطتها، وطلب من العلماء أن يكتبوا خطوطهم بالموافقة على ذلك. وفي تحديد الأمر المطلوب اختلاف بين الروايات: فبعضها يقول إنه كان يريد الاستيلاء على بساتين الغوطة بدعوى أنها من أملاك بيت المال حتى يثبت أصحابها ملكيتهم، وبعضها يتحدث عن طلب فتوى بجواز أخذ مال من الناس للجهاد. وهذا الاختلاف يوجب الحذر في نسبة تفاصيل الواقعة.

موقف النووي

وتتفق الروايات المشهورة على أن النووي لم يكتب خطه بالموافقة، وكتب إلى السلطان كتابًا ينصحه فيه، فغضب السلطان وأمر بعزله من مشيخة دار الحديث وإخراجه من دمشق، فخرج إلى نوى. ويروي بعضهم أن السلطان أراد إعادته بعد ذلك لما شفع فيه العلماء، فرفض النووي العودة ما دام السلطان في دمشق، وأن بيبرس مات بعد أسابيع من الحادثة، فعاد النووي إلى دمشق ثم توفي في السنة نفسها. وقد تتفاوت الروايات في نصوص ما قيل، فلا نجزم بالألفاظ، ومعظم ما يُذكر على لسان النووي في الكتب المتأخرة إنما هو نقل بالمعنى، وبعضه أقرب إلى الأدب منه إلى الرواية.

قاعدة الشرع في أموال الناس

الأصل في الشرع أن مال المسلم محترم، وأنه لا يؤخذ إلا بحق. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء]. وروى البخاري ومسلم من حديث أبي بكرة رضي الله عنه في خطبة حجة الوداع قول النبي ﷺ: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». ومع هذا فقد قرر الفقهاء أنه إذا نزلت بالمسلمين شدة، كغزو العدو، جاز للإمام أن يفرض على الأغنياء ما يكفي الجند إذا خلت خزينة الدولة، بشروط، وهذه المسألة ذكرها الغزالي والشاطبي وغيرهما، وقد استدل بها من أجاز للسلطان أخذ المال، وهذا موضع الخلاف في الواقعة.

الإنصاف في الحكم على الطرفين

لا يصح أن نظلم بيبرس فنحمله ما لا يثبت، فقد كان مجاهدًا حمى الشام من التتار، وفتح مدنًا من الصليبيين، لكنه كان شديدًا في سياسته. ولا نبالغ في مدح النووي فنجعل كل موقف له مثبتًا، فهو إمام في الفقه والحديث، وموقفه في الجملة موقف عالم يتمسك بما يراه حقًا. وقد روي عن النبي ﷺ أن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه)، وقد كان العلماء في ذلك العصر لهم شأن عند الحكام. لكن ينبغي أن نعلم أن من العلماء من يخالف النووي في التقدير، ولا يلزم أن يكون كل من وافق السلطان في أمر قد فرّط، لأن المسألة اجتهادية في كثير من تفاصيلها.

دروس العبرة

الدرس الأول أن العالم أمين على دين الأمة، فلا يوقع على ما لا يعلم صحته، ولا يجامل في أموال الناس ودمائهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران]. والدرس الثاني أن النصيحة للحاكم تكون بحكمة، وأن من الأدب أن تكون في السر ما أمكن، وقد ورد في ذلك حديث عياض بن غنم رضي الله عنه عند أحمد وغيره: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبدِ له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه»، وقد صححه الألباني وغيره، وإن ضعفه آخرون. والدرس الثالث أن نقل الوقائع التاريخية يحتاج إلى ورع، فلا نسقط عليها ما لا يثبت.

النووي مؤلفًا ومعلمًا للأمة

يلاحظ أن النووي كتب في مختلف الفنون مع قصر عمره، فكتب في الحديث (شرح مسلم والأربعين والرياض)، والفقه (المجموع والروضة والمنهاج)، واللغة (تهذيب الأسماء واللغات)، والتراجم والأخلاق (الأذكار والتبيان في آداب حملة القرآن). وهذه الكتب هي التي أعطته مكانته عند الأمة، وقد تلقاها العلماء بالقبول في المذهب الشافعي حتى عدّ كتابه «المنهاج» مرجعًا يعتمد عليه المتأخرون في المذهب الشافعي. ومع ما بذله من علم فقد كان يقول في بعض المسائل إنه لا يعلم دليلًا أو يتوقف، كما هي سيرة الربانيين.

بيان الدرجة

مجيء بيبرس إلى دمشق سنة 676 هـ، ووفاته في المحرم ووفاة النووي في رجب من السنة نفسها ثابتان. وأما إنكار النووي على السلطان وعزله وخروجه إلى نوى وامتناعه عن العودة فمشهور في كتب التراجم دون تفاصيل موثقة بإسناد، وفي تحديد موضوع الخلاف اختلاف بين الروايات، فيذكر على سبيل الرواية المشهورة لا الجزم. والأحاديث المذكورة في الصحيحين صحيحة، وحديث عياض بن غنم مختلف في تصحيحه.

العبرة

العالم أمين على دين الناس وأموالهم فلا يوقع بما لا يطمئن إليه، والنصح للحاكم بحكمة وأدب.

المصدر: تحفة الطالبين لابن العطار؛ سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام للذهبي؛ مرآة الجنان لليافعي؛ المنهل العذب الروي للسخاوي؛ القرآن الكريم: سورة النساء وسورة آل عمران؛ صحيح البخاري ومسلم: حديث أبي بكرة في خطبة حجة الوداع؛ سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه: حديث أفضل الجهاد كلمة حق؛ مسند أحمد: حديث عياض بن غنم.

الدرجة: مشهور في كتب التراجم دون إسناد موثق، وتفاصيل موضوع الخلاف وألفاظ الحوار مختلف فيها فلا يجزم بها؛ وأحاديث الصحيحين صحيحة، وحديث عياض بن غنم مختلف في تصحيحه