Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)مشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

ابن تيمية ووفد دمشق إلى التتار: شفاعة الأسرى

شيخ الإسلام ابن تيمية

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مقدمة: دمشق في شدة

وُلد أحمد بن عبد الحليم بن تيمية سنة إحدى وستين وستمائة في حران، وانتقلت أسرته إلى دمشق هربًا من الغزو التتري، فنشأ فيها وبرز في العلوم وهو شاب. وتولى بعد وفاة أبيه سنة اثنتين وثمانين وستمائة مشيخة الكرسي في المدرسة السكرية. وفي سنة تسع وتسعين وستمائة وقعت الأحداث التي نذكرها هنا، وقد رواها ابن كثير في «البداية والنهاية»، والذهبي، وتلاميذ ابن تيمية كابن عبد الهادي في «العقود الدرية»، وأشار ابن تيمية نفسه إلى بعضها في رسائله.

غازان يغزو الشام

كان غازان خان، ملك التتار في إيران، قد أظهر الإسلام سنة أربع وتسعين وستمائة، فأصبحت الدولة تُنسب إلى الإسلام. لكن المؤرخين يذكرون أن التتار ظلوا يحكمون بالياسا، وهي قانون جنكيزخان، وأن إسلامهم لم يمنعهم من الإغارة على الشام. وفي سنة تسع وتسعين وستمائة، في ربيع الأول، توجه غازان إلى الشام بجيشه، فالتقى بجيش المماليك في وادي الخزندار قرب حمص، وانتصر عليهم في ربيع الآخر. فانهزم المماليك وانسحبوا إلى مصر، وسقطت دمشق في الفوضى وخوف الناس. ويذكر ابن كثير أن أهل دمشق أخذوا يستعدون للتسليم وأن كثيرين هربوا.

وقد حكم القرآن الكريم على من يحكم بغير شرع الله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة]. ويذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية الياسا الذي وضعه جنكيزخان، فيقول ما معناه إن من ترك الشرع المحكم واتبع ما سواه من الآراء والأهواء فقد كفر. وهذا نص مهم في فهم موقف العلماء من التتار، وإن كانت مسألة تكفير الأعيان تحتاج إلى تفصيل لا يتسع المقام له.

الوفد إلى غازان

وتذكر الروايات أن الأعيان والعلماء في دمشق ألفوا وفدًا للتفاوض مع التتار على تأمين الناس، وكان في الوفد الشيخ ابن تيمية ومعه جماعة من القضاة والأعيان. وخرج الوفد إلى معسكر غازان أو إلى بعض قادته. ويروي تلاميذ الشيخ أنه خاطب غازان بكلام شديد، يذكّره بأنه يدّعي الإسلام ولا يحكم به، وأنه غزا بلاد المسلمين بغير حق، وأن أباه وجده كانا على الكفر ولكنهما وفيا بالعهد وهو غدر. وهذه الرواية مشهورة، وبعض الألفاظ الواردة في الكتب مروية بالمعنى لا بحروفها، فلا نجزم بها. ويذكر ابن كثير والذهبي أن الشيخ كان ثابتًا شجاعًا، وأن غازان أُعجب به.

الشفاعة في الأسرى

ومن أصح ما يُذكر عن موقف الشيخ ما ذكره هو نفسه في «الرسالة القبرصية» التي كتبها لملك قبرص سرجوان، فقد قال إنه كلّم قائد التتار قطلوشاه في فكاك الأسرى، فأطلق المسلمين، وقال له الشيخ: لا بد من افتكاك جميع الأسرى من اليهود والنصارى فإنهم أهل ذمتنا، لا ندع أسيرًا لا من أهل الذمة ولا من أهل الملة. فأطلقهم جميعًا كما ذكر. وهذا النقل من رسالة بقلمه لا من رواية تلميذه، ومن أوثق ما في الباب.

وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة»، وبوّب البخاري في كتاب الجزية. وفي القرآن: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة]. وهذا الموقف يظهر وفاء الشيخ بذمة أهل الذمة ولو كانوا نصارى.

أخبار لا تثبت

ومن الأخبار الكثيرة المنقولة في هذا الباب قصة أنه امتنع عن الأكل عند غازان لما قُدم الطعام، وقال إنه من مال الناس المنهوب. وقد ذكرها بعض المؤرخين المتأخرين، لكنها لا تثبت بسند، فلا نبني عليها شيئًا. كذلك الخلاف في تحديد من لقيه الشيخ: هل هو غازان نفسه أو بعض قادته؟ والأقرب أنه قابل بعض القادة، والروايات تتفاوت في مجلس غازان.

انسحاب غازان

ثم غادر غازان الشام في جمادى الأولى أو الآخرة من السنة نفسها، وبقي نائبه قطلوشاه فترة، ثم انسحبوا جميعًا، وعادت دمشق إلى المماليك. ولا ننسب الانسحاب إلى سبب واحد، فالمؤرخون يذكرون اشتداد الحر وقلة العلف وأسباب سياسية في الأراضي المغولية، ولا يصح أن ننسبه إلى مفاوضات الشيخ وحدها.

كيف نقرأ هذه الواقعة

مما يحسن بيانه أن مواقف العلماء مع الحكام والغزاة لا تُفهم من نص واحد، بل من مجموع سيرتهم. فابن تيمية الذي أفتى بقتال التتار هو نفسه الذي شفع في أسراهم من أهل الذمة وتحرّى العدل. وهذا يظهر قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة]. ويذكر المؤرخون أن غازان توفي سنة ثلاث وسبعمائة، أي بعد الحادثة بأربع سنوات، وأن أخاه خدابنده خلفه، وأن التتار صار أكثرهم مسلمين بالمعنى السياسي. ولا يعني ذلك أن مشكلات الحكم بالياسا انتهت فورًا، بل بقيت المسألة محل بحث بين العلماء.

بيان الدرجة

غزو غازان للشام سنة 699 هـ، وهزيمة المماليك قرب حمص، وذهاب وفد من علماء دمشق، ومنهم ابن تيمية، للتفاوض، ثابتة مشهورة. وموقف ابن تيمية في فكاك الأسرى من المسلمين وأهل الذمة ثابت من كلامه نفسه في الرسالة القبرصية. وتفاصيل خطابه لغازان وألفاظه ومن لقيه وامتناعه عن الطعام روايات متفاوتة ولا تثبت بحروفها. وحديث البخاري في المعاهد صحيح.

العبرة

قول الحق مع الأدب والثبات في الشدة، والوفاء بذمة أهل الذمة ولو في زمن الحرب، من أخلاق العلماء.

المصدر: البداية والنهاية لابن كثير في حوادث سنة 699 هـ؛ العقود الدرية لابن عبد الهادي؛ تفسير ابن كثير لسورة المائدة؛ الرسالة القبرصية لابن تيمية (مجموع الفتاوى)؛ القرآن الكريم: سورة المائدة وسورة الممتحنة؛ صحيح البخاري: كتاب الجزية، باب إثم من قتل معاهدًا (حديث عبد الله بن عمرو).

الدرجة: غزو غازان وهزيمة المماليك وذهاب وفد العلماء ثابتة مشهورة؛ وموقفه في فكاك الأسرى ثابت من كلامه في الرسالة القبرصية؛ وألفاظ خطابه ومن لقيه وامتناعه عن الطعام متفاوتة ولا تثبت بحروفها؛ وحديث المعاهد في البخاري