Islamic MixIslamic Mix
‹ الأئمة والمحدثون
الأئمة والمحدثونمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

الشافعي: يتيم مكة الذي بدأ بالشعر واللغة ثم صار إمام الفقه والأصول

الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

هو محمد بن إدريس بن العباس الشافعي القرشي المطلبي، يلتقي نسبه مع النبي ﷺ في عبد مناف. وُلد بغزة في فلسطين سنة خمسين ومئة على المشهور، وهي السنة التي توفي فيها أبو حنيفة كما ذكر المترجمون، ومات أبوه وهو صغير، فحملته أمه إلى مكة حفاظًا على نسبه، فنشأ بها يتيمًا فقيرًا. وتوفي الشافعي بمصر في آخر رجب سنة أربع ومئتين.

اليتم وبدء الطلب

يروي المترجمون عن الشافعي نفسه أنه حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ الموطأ وهو ابن عشر، وأنه طلب العلم وهو فقير لا يجد ما يشتري به الورق، فكان يكتب على العظام والجريد. وهذه الأخبار مشهورة وردت في «سير أعلام النبلاء» وفي «مناقب الشافعي» للبيهقي، وهي في الجملة مقبولة في بابها وإن لم يُعرف لكل تفصيلة إسناد قوي.

ثم لزم قبيلة هذيل في البادية مدة، فتعلّم فصاحة العربية والشعر، على ما ذكره أصحاب التراجم. ثم رجع إلى مكة فتفقه على مسلم بن خالد الزنجي، وهو مفتي مكة، وسمع من سفيان بن عيينة. وبلغه أن مالكًا إمام المدينة، فرحل إليه وقد حفظ الموطأ، وسأله أن يسمعه عليه.

عند مالك

تذكر بعض الروايات أن مالكًا لما رأى الشافعي أعجبه فهمه، وقال له: إن الله قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بالمعصية. وهذه الكلمة من أشهر ما نُقل عن مالك في الشافعي، رواها البيهقي وغيره، ولا أستطيع أن أقطع بسندها، فتُذكر على أنها مشهورة. وقد لزمه حتى توفي سنة تسع وسبعين ومئة.

اليمن وبغداد

بعد وفاة مالك خرج الشافعي إلى اليمن، وعمل لبعض الولاة في نجران، وفي رواية ضعيفة جاءت تفاصيل عن حسن سيرته في عمله. ثم اتهمه خصومه بالتشيع والتعاون مع العلويين، فحُمل إلى العراق مقيدًا ليحاكم أمام هارون الرشيد سنة أربع وثمانين ومئة. وذكر البيهقي وغيره أنه نجا بعدل العلماء، وأن محمد بن الحسن الشيباني شفع له أو شهد له بالعلم، وهذا الخبر معروف في كتب المناقب. وتتفاوت الروايات في تفاصيل المحاكمة، ولذلك أنبّه على أن الثابت هو الاتهام والنقل إلى بغداد ونجاته، وأما الحوار الذي يُنقل فيها فلا يثبت بسند صحيح.

وفي بغداد لازم محمد بن الحسن وأخذ كتبه، وقد قال الشافعي، فيما رُوي عنه: كتبتُ عن محمد بن الحسن وقر بعير. فتعرف بذلك على فقه أهل الرأي بعد أن تعمّق في فقه أهل الحديث، فجمع بين المنهجين، وتأسست عنده ملامح مذهب جديد.

الرسالة والقولان

عاد إلى مكة ثم رجع إلى بغداد سنة خمس وتسعين ومئة، وهناك طلب منه عبد الرحمن بن مهدي، إمام الجرح والتعديل، أن يكتب كتابًا في أصول الفقه يبين فيه معاني القرآن، وقبول الأخبار وحجية الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ، فكتب «الرسالة». وهذه القصة ذكرها الحافظ ابن كثير والبيهقي، وهي مشهورة، وبعض الباحثين يشككون في أنها الرسالة الجديدة أو القديمة.

ثم رحل إلى مصر سنة تسع وتسعين ومئة، فغيّر فيها كثيرًا من آرائه الفقهية التي قالها بالعراق. ومن هنا نشأ في المذهب الشافعي ما يُسمى القول القديم والقول الجديد. وهذا من مظاهر أمانته العلمية، فهو لم يتعصب لما قاله، بل رجع عنه حين ظهر له الدليل.

حلقته بمصر وتلاميذه

وفي مصر جلس الشافعي في جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، وأخذ عنه جمع من الطلبة، منهم إسماعيل بن يحيى المزني، ويوسف بن يحيى البويطي، والربيع بن سليمان المرادي. وذكر البيهقي من رواية الربيع وصفًا لجدول حلقاته، وأنها كانت تبدأ بعد الفجر بالقرآن ثم الحديث ثم الفقه والنحو والشعر على ما نقل، وهذه الرواية مشهورة في «مناقب الشافعي»، ولا يُطمأن إلى كل تفاصيلها لأنها من رواية الأتباع.

وقد دوّن في مصر كتابه الكبير «الأم» برواية الربيع، وأعاد صياغة كتاب «الرسالة» بحسب الروايات. وأقبل عليه الناس إقبالًا شديدًا، وكان بعض فقهاء المالكية بمصر يخالفونه، ووقع بينهم جدل، لكن العلماء يذكرون أنه كان يحفظ لهم حقهم ويقدّر مالكًا ويقول فيه: إذا جاء الحديث فمالك النجم.

كلماته في الاتباع

اشتهر عنه أنه كان يعظم الحديث، وتنسب إليه عبارة: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وتروى كذلك عنه عبارة: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. وأرى أنهما من الأقوال المنسوبة إليه التي يتناقلها العلماء، ولكن لفظهما يختلف، ولم أقف على إسناد كل لفظ.

وقد قال الإمام أحمد فيه: ما أحدٌ مسّ محبرة ولا قلمًا إلا وللشافعي في عنقه منّة. وهذا الأثر ذكره البيهقي والذهبي، وهو مشهور. ونقلوا أن أحمد سمع أباه يدعو للشافعي، فسأله، فقال: يا بني، كان كالشمس للدنيا وكالعافية للناس.

وفاته

توفي بمصر في آخر رجب من سنة أربع ومئتين، وكان قد أصابه مرض في بطنه، وذكر المترجمون أنه كان البواسير. وجرت قصة أن أحد أتباع المالكية ضربه في مجلس العلم فكان ذلك سببًا لوفاته، وهذه القصة ضعيفة السند، لا يصح الجزم بها، وأرى أن تُترك أو تُذكر بهذا التنبيه.

دفن بالقاهرة، وبقي مذهبه يُدرّس في الشام والعراق ومصر وغيرها حتى اليوم.

العبرة

اليتم والفقر لا يمنعان من بلوغ القمم إذا صحبهما صدق الطلب. ورجوع العالم عن قول حين يظهر له الدليل علامة علم وإخلاص.

المصدر: البيهقي: مناقب الشافعي؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء (ترجمة الشافعي)؛ ابن كثير: البداية والنهاية؛ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد.

الدرجة: سيرة مشهورة في كتب التراجم؛ ثابت منها نسبه وولادته ووفاته بمصر سنة 204هـ ورحلاته وكتابه الرسالة وقوله القديم والجديد، أما تفاصيل طفولته ومحاكمته أمام الرشيد وسبب وفاته فمنها ما يرد بأسانيد ضعيفة، وقد نُبّه عليها في النص.