هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، وُلد ببغداد سنة أربع وستين ومئة، وقيل إن أمه حملت به في مرو ثم قدمت بغداد. ومات أبوه وهو صغير، فنشأ يتيمًا، وكفلته أمه. وقد ذكر المترجمون أنه كان في بيت فقير، يقتات من غلة صغيرة، وأنه لم يكن يسأل أحدًا.
بدء الطلب والرحلات
بدأ بطلب الحديث سنة تسع وسبعين ومئة، وكان أول من أخذ عنه هشيم بن بشير الواسطي ببغداد، ولزمه سنين. وهذا مما ذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء». ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، ولقي في اليمن عبد الرزاق بن همام الصنعاني وأخذ عنه. وقد ذُكر أنه خرج إلى اليمن ماشيًا أحيانًا، وأنه لم يقبل مالًا عُرض عليه من بعض الناس. وهذه الأخبار مشهورة في ترجمته، وإن كان بعض تفاصيلها يحتاج إلى مزيد تثبت.
وتروى عنه كلمة تقول إنه مع المحبرة إلى المقبرة. وقد سُئل عن الاستمرار في الطلب فقال ما معناه إنه يطلب العلم إلى أن يموت. وذكر ابن الجوزي وغيره هذه العبارة بصيغ مختلفة، والمعنى المراد أنه لم يتوقف عن التعلم.
حفظه وورعه
قيل إنه كان يحفظ نحو ألف ألف حديث، أي مليون حديث بالمكرر مع طرقها. وهذه العبارة وردت عن بعض تلاميذه، والمراد بها كثرة المحفوظ بطرقه وأسانيده لا أنها متون مستقلة، فلا يؤخذ الرقم على ظاهره.
وكان معروفًا بالورع، فقد رُوي أنه كان يرفض عطايا الخلفاء والولاة، وأن أمه كانت تصنع له ما يحتاجه، وكان يعمل أحيانًا بيده. ومن أخباره عند ابن الجوزي أنه ما كان يرضى أن يأكل من مال فيه شبهة. وهذه الأخبار تأتي في سياق مناقبه، وأغلبها لا يحتاج إلى نقد إسنادي دقيق لأنها لا تتعلق بحكم شرعي.
تلميذ للشافعي وأثر الشافعي فيه
تعرف الإمام أحمد على الشافعي في بغداد، وجالسه وانتفع بعلمه، وكان يثني عليه كثيرًا. والخبر المشهور أن أحمد قال لابنه عبد الله ما معناه إن الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس. وذكر العلماء أن أحمد كان يدعو للشافعي في صلاته، وأنه قال: ما مسّ أحد محبرة ولا قلمًا إلا وللشافعي في عنقه منّة. وهذه الأخبار جاءت في ترجمة الشافعي عند البيهقي وفي سيرة أحمد عند الذهبي وغيره.
تحرّيه في الرواية وكراهته للشهرة
اشتهر عن أحمد أنه كان لا يحدّث إلا من كتابه، وأنه كان يتحرّى الضبط في الرواية تحريًا شديدًا. ونقل تلاميذه عنه كراهة التصنيف في الفقه، فقد كان يخشى أن يُحمل الناس على كلامه ويُترك الكتاب والسنة، ولذلك قال لبعضهم ما معناه ألا يقلدوه ولا يقلدوا مالكًا ولا الأوزاعي ولا الثوري، وأن يأخذوا من حيث أخذ هؤلاء. ذكر هذا القول ابن القيم في «إعلام الموقعين» وغيره عن أحمد من رواية بعض أصحابه، وهو يوافق ما اشتهر عنه من الاتباع.
وكان يكره الشهرة والثناء. وينقل الذهبي عنه كلمة: طوبى لمن أخمل الله ذكره. ولما كثر الازدحام خلفه في الطريق كان يضيق بذلك ويأمر الناس بالانصراف، على ما ذكره المترجمون. وكل هذا من سيرة الأئمة التي بنوا فيها العلم على التواضع.
بيته وأولاده وثناء الأئمة
تزوج أحمد وأنجب أولادًا، اشتهر منهم صالح الذي ولي القضاء بأصبهان، وعبد الله الذي صار حافظًا راوية للمسند، وقد كان لهما دور كبير في نقل أخبار أبيهم وفقهه. وكان يعيش عيشة بسيطة يقتصد فيها، وقد ذكر الذهبي أنه كان يحتمل الفقر ويكره أخذ الصلات.
وأثنى عليه أئمة عصره. فقد نقل الذهبي عن إبراهيم الحربي قوله ما معناه إنه رأى أحمد كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين. ونقل غيره ثناء قتيبة بن سعيد عليه. وهذه الأقوال من مناقبه المشهورة، وهي على الجملة تدل على مكانته في زمانه، ولا يُظن أن كل لفظ منها محفوظ بحروفه.
المسند
صنف أحمد «المسند» الذي جمع فيه كمية كبيرة من الأحاديث مرتبة على أسماء الصحابة. ويقال إن عدد أحاديثه نحو ثلاثين ألفًا أو أربعين ألفًا مع المكرر، وتختلف الأعداد بحسب الطبعات والترقيم. وقد روى عنه ابنه عبد الله وزاد فيه زيادات، فهي تسمى زيادات عبد الله، وأضاف إليه أبو بكر القطيعي زيادات أخرى. وذكر العلماء أن الإمام أحمد لم يلتزم في المسند الصحيح وحده، وأن فيه الصحيح والحسن والضعيف، وفيه قدر قليل جدًا من الموضوعات على ما رآه بعض النقاد كابن الجوزي، وردّ عليه ابن حجر وغيره في دفع بعضها. فالأمانة أن يقال إن المسند ديوان جامع لا كتاب مصنف على شرط الصحة، وأن الاحتجاج به يكون بعد التثبت من كل حديث.
وقد رُوي عن الإمام أحمد أنه قال لابنه في المسند ما معناه: هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمئة وخمسين ألف حديث، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة. وهذا الخبر يُذكر في تراجم المسند وفي كتب علوم الحديث، وفي إسناده ما يحتاج إلى نظر، ولذلك فلا يُجعل أصلًا لإثبات شيء.
طريقته وكلمته في الاتباع
عرف عن أحمد أنه كان يعظم الأثر ويكره الخوض في علم الكلام، وأن فتواه تقوم على النص ثم أقوال الصحابة. ومن تلاميذه الذين دوّنوا فقهه ابنه صالح وعبد الله، وأبو داود صاحب السنن، وحرب الكرماني، وأبو بكر المروذي وإسحاق بن هانئ. وقد انتشر مذهبه في بغداد ثم في الشام ونجد وغيرها.
وكانت محنته مع الخلفاء من أعظم محطات حياته، وسيأتي ذكرها مفصلًا في قصة مستقلة. وقد جمع الله له بين الإمامة في الحديث والفقه والثبات في الفتنة، فصار علمًا يُرجع إليه عند اختلاف الناس.
