ظهرت في العصر العباسي مقالة أن القرآن مخلوق، وكان يقول بها طائفة من المعتزلة. وتبنى هذه المقالة الخليفة المأمون في أواخر عهده، ثم حمل الناس على القول بها، وسُميت هذه الفتنة محنة خلق القرآن. وكان أهل السنة يقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهذا هو قول الإمام أحمد ومن معه. وقد أطال العلماء في بيان هذه المسألة، ونكتفي هنا بسرد وقائع المحنة كما نقلها المؤرخون.
كتاب المأمون
كتب المأمون سنة ثماني عشرة ومئتين، وهو في الرقة أو في طرسوس على اختلاف الروايات، إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم، يأمره بامتحان القضاة والمحدثين في هذه المسألة. وقد ذكر الطبري في تاريخه نص الكتاب وما جرى بعده من امتحان الفقهاء. فأجاب أكثر الناس، بعضهم عن اقتناع وبعضهم خوفًا، وامتنع نفر قليل، منهم أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح. ثم أمر المأمون أن يُحملا إليه مقيدين.
والذين أجابوا خوفًا لا يُعاب عليهم عند من فقه، فقد قال الله تعالى في المكره: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾، وقد قال الإمام أحمد نفسه ما معناه إنه لا يلوم من أجاب مكرهًا، وإنما كان يرى العزيمة هي الثبات. وهذا ما ينبغي أن يُنبّه عليه حتى لا يُظن أن كل من أجاب في المحنة مذموم.
الطريق إلى طرسوس
ذكر المؤرخون أن أحمد ومحمد بن نوح حُملا على جمل مقيدين. ويرويها الذهبي وابن الجوزي من رواية أحمد نفسه أو من رواية ابنه صالح. وفي الطريق وقعت واقعة الأعرابي، إذ جاء رجل من العرب يُقال له جابر بن عامر، فسلّم على أحمد وقال له: يا هذا، إنك وافد الناس، فلا تكن شؤمًا عليهم، وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيب الناس بإجابتك فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنما بينك وبين الجنة أن تقتل. وهذه الرواية ثابتة في كتب مناقب أحمد، وفيها اختلاف يسير في الألفاظ. وفي بعض الألفاظ: إن يقتلك الحق مت شهيدًا.
ثم إن المأمون مات في رجب من تلك السنة قبل أن يلقى أحمد، ومات محمد بن نوح في الطريق، فصلى عليه أحمد ودفنه. وأعيد أحمد إلى بغداد فسُجن بها.
عهد المعتصم
تولى الخلافة بعد المأمون أخوه المعتصم، وكان المأمون قد أوصى بمتابعة المحنة. وكان ممن يؤثر على المعتصم القاضي أحمد بن أبي دؤاد، وقد كان من دعاة القول بخلق القرآن. وبقي أحمد في السجن مدة، ثم أُحضر للمناظرة بين يدي الخليفة.
ويروي صالح بن أحمد عن أبيه أنه قال في المناظرة: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ حتى أقول به. وهذا أحد أشهر أقواله في هذا الموقف. ولم يزل المعتصم يناظره ويطلب منه أن يوافقه، وقال له، بحسب ما نقله العلماء: يا أحمد، والله إني عليك لشفيق. ثم أمر بجلده.
وقد جلد بالسياط حتى أغمي عليه، على ما ذكره المترجمون، وتتفاوت الروايات في عدد الجلدات، فبعضها نحو ثمانية وثلاثين وبعضها قريب من ثلاثين. ورُوي أن تكة سرواله انحلت، فدعا الله فثبتت. وهذا الخبر يتكرر في كتب المناقب، وهو مما لا يمكن الجزم بإسناده، فلتُذكر الواقعة على أنها مروية.
ويُروى أنه صلى بعد ذلك وهو يسيل منه الدم، وهذا مما ينقله أصحاب المناقب عنه، ولا أقطع بإسناده. ثم أُطلق سراحه وعاد إلى بيته.
موقفه ممن ضربه
ومن أحسن ما نُقل عنه أنه جعل المعتصم في حل من ضربه. وقد قال في ذلك ما معناه إنه نظر في الآية: ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾، فعفا عن الخليفة. وهذه الرواية ذكرها بعض العلماء، وفيها اختلاف يسير بين المصادر.
ما كان قبل المأمون وبعد المعتصم
يذكر ابن الجوزي، وقبله جملة من أصحاب أحمد، أن أحمد كان في الطريق إلى طرسوس يدعو الله ألا يلقى المأمون، وأنه فعلًا لم يلقه، فقد ماتَ الخليفة قبل وصولهما. وهذه الرواية منقولة عن صالح بن أحمد عن أبيه في كتب المناقب، وتناقلها الذهبي، ولا بأس بذكرها على أنها خبر ابنه عنه.
وبعد عودته مُقيدًا إلى بغداد حُبس فيها مدة طويلة، قيل إنها نحو ثمانية وعشرين شهرًا، وقيل غير ذلك، حتى جرى الامتحان الأخير بين يدي المعتصم. وقد امتحن مع أحمد جماعة من العلماء، فأجاب بعضهم عند التهديد، وثبت آخرون، ومنهم من ضُرب وسُجن. وفي أيام الواثق اشتد الأمر، حتى قُتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي سنة إحدى وثلاثين ومئتين لأنه امتنع عن القول بخلق القرآن، كما ذكره الطبري في تاريخه. وهي واقعة مشهورة تدل على شدة المحنة.
أثر المحنة
بقي الإمام أحمد بعد ذلك ممنوعًا من التحديث والإفتاء مدة، ولزم بيته. وجاءت المحنة في عهد الواثق أيضًا، وبقي هو مختفيًا أو ملازمًا لبيته. ثم رُفعت المحنة في خلافة المتوكل. وقد تأكد بعدها أن أحمد صار رمزًا لأهل السنة، وأن الناس رجعوا إلى القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق. وقد قال بعض العلماء: أعز الله الدين بالصديق يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة. وتنسب هذه العبارة إلى علي بن المديني وغيره، وهي من الأقوال المنتشرة.
ملاحظة في التثبت
سيرة المحنة وردت في كتب كثيرة، وفيها تفاصيل بعضها ثابت بأسانيد جيدة كرواية صالح بن أحمد وحنبل بن إسحاق عن الإمام، وبعضها من مناقب المتأخرين وفيه مبالغة. فمن أراد أن يرجع إليها فليقدّم روايات الأقربين من أصحاب أحمد على غيرها.
