بعد أن رُفعت المحنة في خلافة المتوكل على الله، عادت إلى أحمد بن حنبل مكانته في بغداد، لكنه لم يعد إلى حياته القديمة كما كانت. فقد كان قد عاش سنين طويلة مطاردًا أو ملازمًا لبيته، وبقي بعد ذلك حذرًا من الدنيا وأهلها. وهذه الصفحة الأخيرة من حياته تكشف وجهًا آخر من وجوه الثبات: ثبات في الرخاء بعد ثباته في الشدة.
رفع المحنة
ذكر الطبري في تاريخه أن المتوكل أبطل القول بخلق القرآن ونهى عن المناظرة فيه، وأمر المحدثين بنشر الأحاديث في الصفات والرؤية، وكان ذلك في حدود سنة اثنتين وثلاثين أو أربع وثلاثين ومئتين على اختلاف في تحديد البداية. وفرح أهل السنة بذلك، وجعلوا يذكرون ما جرى لأحمد. لكن أحمد، فيما يرويه عنه ابنه صالح، لم يُسرّ بصحبة السلطان، وكان يكره أن يقترب منه الأمراء.
استدعاؤه ورده للعطايا
تذكر كتب المناقب أن المتوكل استدعى أحمد إلى سامراء، وأن الإمام لم يكن راغبًا في ذلك، وأنه لما رأى ما فيها من النعيم والخدم ضاق صدره. وأكثر تفاصيل هذه القصة منقولة من رواية صالح بن أحمد عن أبيه، فهي مشهورة عند ابن الجوزي والذهبي وغيرهما، ولكن لا أطمئن إلى كل ألفاظها، ولذلك أكتفي بالمعنى وهو أنه زهد فيما عُرض عليه.
وكان من المعروف عنه أنه رفض أن يقبل المال من السلطان. وقد رُوي أن المتوكل أرسل إليه مالًا فرده، وأن بعض أولاده قبلوا شيئًا من صلات المتوكل، فلما علم أحمد بذلك تألم، وقال لهم ما معناه إنه لا يأكل مما أكلوه. وهذه الأخبار تأتي في سياق تحرّج الإمام من أموال الولاة، وهي في الجملة مشهورة في سيرته، وإن كانت تفاصيلها تحتمل الخلاف.
عبادته وتواضعه في أيامه الأخيرة
يروي ابنه عبد الله، فيما ينقله الذهبي وابن الجوزي، أن أباه كان يصلي في اليوم والليلة ثلاث مئة ركعة، فلما أصابته السياط في المحنة أضعفته فصار يصلي مئة وخمسين ركعة. وهذا خبر مشهور في مناقبه، ولا أقطع بإسناده، لكنه يوافق ما اشتهر عنه من كثرة العبادة.
ومن مواقفه في التواضع ما يُنقل عنه أن رجلًا قال له: جزاك الله عن الإسلام خيرًا. فقال: بل جزى الله الإسلام عني خيرًا، من أنا وما أنا؟ وهذه العبارة تروى في سيرته بصيغ متقاربة، وهي تتفق مع كراهته للثناء. وبهذا الخلق اجتمعت له هيبة العلماء وبساطة الصالحين.
وفي هذه السنين الأخيرة بقي طلاب العلم يقصدونه، فيروون عنه المسند وأجوبته، ومنهم أبو داود الذي ألّف كتاب المسائل عنه، وحنبل بن إسحاق الذي دوّن أخبار المحنة، وأبو بكر المروذي الذي لازمه إلى أن مات.
مرضه ووفاته
مرض الإمام أحمد في أوائل شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومئتين، ومرضه تسعة أيام على ما ذكره المترجمون، وكان الناس يتوافدون على بابه يعودونه، على ما ذكره المترجمون.
وتوفي رحمه الله يوم الجمعة، ثاني عشر ربيع الأول على أشهر الأقوال، وقيل غير ذلك، سنة إحدى وأربعين ومئتين، وعمره سبع وسبعون سنة تقريبًا. وقد ذكر ابن الجوزي، وتبعه الذهبي في نقله، رواية أن أحمد قال وهو يحتضر: لا، بعد، لا، بعد. فلما سأله ابنه عبد الله عن ذلك قال إن الشيطان قائم بحذائه يعض على أنامله يقول له: فتّني يا أحمد، وإنه يجيبه: لا، حتى أموت. وهذه الرواية لا أعتمد على صحة إسنادها، وهي من مناقب المتأخرين التي لا تقوم عليها حجة، فلتُحمل على أنها خبر مروي. وروى بعضهم أنه كان يُلقَّن الشهادة فيقول ما يقتضي أنه كان يذكر الله، والأولى ألا يُجزم بشيء من ذلك.
الجنازة
تحدثت المصادر عن جنازة عظيمة. فذكر الخطيب والذهبي وابن الجوزي أن الناس ازدحموا حتى لم تُشاهد بغداد مثل ذلك اليوم، وتفاوتت أعداد المشيعين تفاوتًا كبيرًا في الروايات، فبعضها يزعم أنهم بلغوا مئات الآلاف، وهذه الأرقام لا يمكن ضبطها، ولا يُعتمد عليها إلا بيانًا لكثرة الجمع. وقد ذكر البعض أن عددًا كبيرًا من اليهود والنصارى والمجوس أسلموا يوم وفاته، وهذا مما قد يكون مبالغًا فيه، ولا أجزم به.
ومن العبارات المشهورة التي تُنقل في هذا السياق عبارة: بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز. وهي تُنسب إلى الإمام أحمد نفسه في بعض المصادر، وتُنسب إلى غيره في بعضها الآخر، وتُروى كذلك بألفاظ مختلفة. والمقصود منها أن كثرة المشيعين في جنازته دلالة على مكانة السنة في قلوب الناس.
ودُفن ببغداد في مقبرة باب حرب على ما ذكره المترجمون.
ما قيل في أثر المحنة على الأمة
كان لمحنة أحمد أثر كبير في حفظ العقيدة من الاضطراب، حتى قال بعض العلماء إن الله حفظ الدين بأحمد كما حفظه بأبي بكر الصديق رضي الله عنه يوم الردة. وهذا التشبيه ينسبه الذهبي إلى بعض الأئمة كعلي بن المديني، وهو من مبالغات المحبين التي يُراد بها بيان الأثر لا المقارنة بين الصحابة وغيرهم، فمقام الصحابة لا يلحقه أحد. والذي يعنينا أن الأمة، بعد المحنة، عادت إلى القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وصار هذا الأمر شعار أهل السنة.
ما بقي من أثره
خلّف أحمد مسندًا كبيرًا، وفقهًا نقله عنه تلاميذه، ورسائل في العقيدة، وصورة للعالم الذي لا يسكت عن الحق ولا يلتمس الدنيا بالدين. وتلاميذه من بعده، كأبي داود والبخاري ومسلم وغيرهم، حملوا عنه علمًا وخلقًا. فقد روى البخاري ومسلم وأبو داود عنه مباشرة في بعض الأحاديث على ما ذكره العلماء.
وقد وصفه بعض المؤرخين بأنه إمام أهل السنة، لأنه لم يضف شيئًا من عنده إلى العقيدة، وإنما ثبت على ما كان عليه السلف حين انحرف كثيرون. ونحن إذ نذكر سيرته نذكر معها أن الإنصاف يقتضي التمييز بين ما صح منها وما نُقل في كتب المناقب، فإن الأئمة لا يحتاجون إلى زيادة، والخبر الصحيح عنهم أبلغ من كل مبالغة.
