Islamic MixIslamic Mix
‹ الأئمة والمحدثون
الأئمة والمحدثونمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

البخاري الصغير: من كُتّاب بخارى إلى رحلة الطلب في أمصار الإسلام

الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي ولاءً، أبو عبد الله البخاري. وُلد في بخارى يوم الجمعة الثالث عشر من شوال سنة أربع وتسعين ومئة. ومات أبوه إسماعيل وهو صغير، فنشأ يتيمًا في رعاية أمه. وكان أبوه من أهل الحديث، وقد نقل الذهبي عن أبيه كلمة عند موته معناها أنه لا يعلم في ماله درهمًا من حرام ولا من شبهة، وذلك مما يدل على الجو الذي نشأ فيه الإمام.

ذهاب بصره ورجوعه

يذكر الذهبي وابن حجر خبرًا أن البخاري ذهب بصره في صغره، فرأت أمه في المنام إبراهيم عليه السلام يقول لها إن الله رد على ابنها بصره بكثرة بكائها أو دعائها، فأصبحت وقد رد الله عليه بصره. ورواه ابن حجر في مقدمة «هدي الساري» عن غالب بن جبريل، ولا أجد إسنادًا أطمئن إليه، فهو من أخبار المناقب المشهورة، وهو في عالم الرؤيا لا يُبنى عليه حكم، ولكنه يدل على عناية أمه به ودعائها له.

حفظ الحديث في الكتّاب

ينقل الذهبي في «سير أعلام النبلاء» عن محمد بن أبي حاتم الوراق، وهو ورّاق البخاري، أنه سأل البخاري عن بدء أمره، فقال إنه أُلهم حفظ الحديث وهو في الكتّاب، وكان عمره عشر سنين أو أقل، ثم خرج من الكتاب بعد العشر فجعل يختلف إلى الداخلي وغيره من علماء بلده. وجرى في ذلك الوقت أن الداخلي كان يقرأ حديثًا فقال: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم. فقال له الغلام: إن أبا الزبير لم يروِ عن إبراهيم. فانتهره، فقال له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك. فدخل الداخلي وراجع كتابه، ثم خرج وسأله: كيف هو يا غلام؟ فقال: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم. فأخذ القلم وأصلح كتابه وقال: صدقت. وهذه الرواية مشهورة في ترجمته، وقد ذكرها ابن حجر في الهدي بما يشبه هذا اللفظ، وهي أقرب إلى الصحة من كثير من القصص حوله.

وبعد ذلك حفظ كتب عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح، على ما نقله المترجمون عنه، وهو في سن مبكرة، وكان عمره ست عشرة سنة فيما يذكر ابن حجر. ثم صنّف كتاب «قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم» وهو في الثامنة عشرة من عمره، على ما نُقل عنه، وشرع في كتاب «التاريخ» عند قبر النبي ﷺ في الليالي المقمرة.

الرحلة الأولى إلى الحجاز

خرج مع أمه وأخيه أحمد إلى الحج سنة عشر ومئتين، وهو في السادسة عشرة، ثم تخلف بمكة لطلب العلم بينما رجع أخوه مع أمه. وهذا مذكور في الهدي والسير. وفي مكة سمع من الحميدي صاحب ابن عيينة، وغيره من علماء الحجاز.

ثم تنقل بين الأمصار، فدخل البصرة والكوفة وبغداد والشام ومصر والجزيرة وخراسان. ويُنقل عنه أنه قال: كتبت عن ألف وثمانين نفسًا ليس فيهم إلا صاحب حديث، وهذه العبارة مشهورة في ترجمته عن ابن حجر والذهبي. ومن مروياته المهمة عن شيوخه: علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة الحديث.

بغداد وأحمد

نقل الذهبي أن البخاري قال إنه دخل بغداد ثماني مرات، في كل مرة يجالس فيها أحمد بن حنبل، حتى قال له في آخر مرة ودّعه فيها: يا أبا عبد الله، تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان؟ قال البخاري: فأنا الآن أذكر قوله. وهذه رواية مشهورة، وفيها مواساة للبخاري حين لقي ما لقي في خراسان فيما بعد.

منهجه في الطلب

وصفه تلاميذه بأنه كان يكتب ما يسمع بعد التحقق، وأنه كان شديد التحري في الرجال. ومن أقواله المروية أنه ما كتب حديثًا إلا بعد أن عرف صحته.

وسيأتي في القصة التالية ما كان من رفضه الذهاب إلى باب الأمير حين طلب منه ذلك.

بيئة الحديث وأهمية الإسناد

ولكي نفهم ما كان يفعله البخاري ينبغي أن نعرف أن الأمة كانت تحفظ حديث نبيها ﷺ بالإسناد. ويروي مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله بن المبارك قوله: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. فكان طالب الحديث يرحل من بلد إلى بلد ليسمع الحديث من شيخه مباشرة، ثم يتحقق من الرواة واحدًا واحدًا: هل لقي بعضهم بعضًا؟ هل هم ثقات؟ هل أخطأوا في روايتهم؟ وبهذا نشأ علم الجرح والتعديل وعلم العلل. وكان البخاري من أبرز من برع في ذلك، بل نقل عنه ابن حجر أنه كان يعرف تواريخ الرواة وأماكن ولادتهم ووفياتهم.

كتبه قبل الصحيح

صنّف البخاري قبل الجامع الصحيح عدة كتب، منها «التاريخ الكبير» في تراجم الرواة، و«التاريخ الأوسط» و«التاريخ الصغير»، وكتاب «الأدب المفرد» في الآداب والأخلاق، وكتاب «خلق أفعال العباد»، وكتاب «رفع اليدين في الصلاة» و«القراءة خلف الإمام»، وغيرها. وقد وصلتنا كثير من هذه الكتب. وأشهرها «التاريخ الكبير» الذي بدأه في المدينة المنورة، كما قدمنا.

عبادته

وصفه تلاميذه بكثرة العبادة، فقد نقل الذهبي عن وراقه أن البخاري كان يختم القرآن في رمضان كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة. وهذه رواية تنقلها كتب المناقب، وهي ممكنة لكنها لا أتثبت من إسنادها، فلتُحمل على أنها مشهورة.

وكان كريمًا يتصدق بالكثير، وقد خلّف له أبوه مالًا، ورُوي أنه كان يتاجر فيه. وهذه صفة معروفة عن كثير من أئمة الحديث الذين جمعوا بين التجارة وطلب العلم.

لقب أمير المؤمنين في الحديث

اشتهر البخاري بلقب أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب أطلقه عليه بعض معاصريه. وهذه التسمية تُقال عادة لمن بلغ المرتبة العليا في الحفظ والنقد، وقد شاركه في اللقب الثوري وشعبة وغيرهما قبله. وينقل عنه ابن حجر وغيره قوله: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني. وهذا من تواضعه لشيخه، على ما نقلته المصادر عنه.

وبذلك تبدأ سيرته التي ستنتهي به إلى الصحيح والمحن والغربة.

العبرة

الموهبة تحتاج إلى طلب وصبر ودعاء الوالدين، والتواضع للشيوخ لا يمنع من التصحيح بالدليل. ومن رحل في طلب العلم رفع الله ذكره.

المصدر: ابن حجر: هدي الساري مقدمة فتح الباري؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء (ترجمة البخاري)؛ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد؛ ابن عدي: الكامل.

الدرجة: سيرة مشهورة في كتب التراجم؛ ثابت منها ولادته ورحلاته وحفظه وشيوخه، أما قصة رد بصره بدعاء أمه وإصلاحه لخطأ الداخلي بعض ألفاظها من أخبار المناقب بأسانيد لا تخلو من ضعف، وقد نُبّه عليها في النص.