ألّف الإمام البخاري كتابه «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه»، وهو المعروف بصحيح البخاري، وجمع فيه الأحاديث الصحيحة وقسّمها على أبواب الفقه، وجعل لكل باب ترجمة تدل على مراده. وقد اتفق علماء الأمة على قبول هذا الكتاب وعلى أنه من أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. وهذه خلاصة سيرة هذا التأليف وما لقيه صاحبه بعده.
كيف نشأ الصحيح
نقل ابن حجر في الهدي عن البخاري قوله إنه أخرج الصحيح من نحو ست مئة ألف حديث، وأنه صنّفه في ست عشرة سنة. وهذه العبارة مشهورة ويذكرها العلماء، والمراد بالعدد الكبير كثرة ما سمعه وجمعه بطرقه، لا أنها متون مستقلة. وأما عدد أحاديث الكتاب فقد ذكر ابن الصلاح أنها سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالمكرر، وأربعة آلاف تقريبًا بدون تكرار، وتختلف الإحصاءات بحسب طريقة العد وبحسب ما يدخل فيه من المعلقات.
وقد رُوي عن البخاري أنه قال إنه ما وضع في الصحيح حديثًا إلا اغتسل قبل ذلك وصلى ركعتين. ذكر هذه الرواية الخطيب في تاريخه والذهبي وغيرهما، وفي ثبوتها نظر، لكنها مشهورة عند العلماء. وروى بعض أصحابه أنه قال إنه رأى النبي ﷺ في المنام وكأنه واقف بين يديه وبيده مروحة يذب عنه، فسأل بعض المعبرين فقال: أنت تذب عنه الكذب، فكان ذلك حافزًا له. وهذه من الرؤى التي لا يُبنى عليها حكم.
الدافع إلى تأليف الجامع
يروي ابن حجر في الهدي عن إبراهيم بن معقل النسفي، عن البخاري، أنه قال: كنا عند إسحاق بن راهويه، فقال بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لسنن رسول الله ﷺ. قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح. وهذه الرواية مشهورة، وهي من أقرب الروايات في بيان سبب التأليف، وإن كان إسنادها يحتاج إلى تدقيق.
ورُوي عنه أيضًا أنه قال: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح حتى لا يطول الكتاب. وهذه العبارة تنقلها كتب علوم الحديث، وهي تفسر لماذا لا يحتوي الصحيح على كل الأحاديث الصحيحة، فإنه لم يقصد الاستيعاب.
وكان يكتب تراجم الأبواب بدقة، حتى قال العلماء: فقه البخاري في تراجمه. وهي عبارة شهيرة تدل على أن اختيار عناوين الأبواب كان ينطوي على اجتهاد واستنباط.
امتحان بغداد
ذكر الخطيب في «تاريخ بغداد» وابن حجر في الهدي، من رواية ابن عدي وغيره، أن البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث، فأرادوا أن يمتحنوا حفظه. فعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا أسانيدها ومتونها، وجعلوا لكل حديث إسنادًا غير إسناده، ودفعوها إلى عشرة رجال، كل واحد منهم عشرة أحاديث، وأمروهم أن يلقوها عليه في المجلس. فلما اجتمع الناس وألقى الأول حديثه قال البخاري: لا أعرفه. وهكذا إلى العاشر، فلما فرغوا التفت إلى الأول فقال له: أما حديثك الأول فكذا وكذا، وصحيحه كذا، وهكذا حتى أتى على العشرة كلهم، فألقى عليهم كل حديث على ما هو عليه، وردّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، فأقروا له بالفضل.
وهذه القصة مشهورة ويعدها العلماء من أثبت أخبار البخاري في شأن الحفظ، ومع ذلك فيها تفاصيل يختلف فيها الرواة، ولذلك أنبّه على أن المقصود الحدث في جملته لا كل ألفاظه، وأن إسناد القصة وإن اشتهر لا يخلو من نظر عند بعض العلماء.
مكانة الصحيح عند العلماء
أجمعت الأمة على تلقي الصحيحين بالقبول، وإن كان الدارقطني قد ألّف في الاستدراك عليهما كتابًا، فانتقد فيه أحاديث معدودة من حيث الإسناد، وأجاب الحافظ ابن حجر عن أكثرها في مقدمة فتح الباري. ومن هنا قال العلماء إن الاعتراض على أحاديث الصحيحين محصور في عدد قليل، وإن أصح ما في الباب هو ما اتفق عليه الشيخان.
فتنة نيسابور
قدم البخاري نيسابور في حدود سنة خمسين ومئتين، وكان بها الإمام محمد بن يحيى الذهلي، شيخ المحدثين هناك. فاستقبله الناس استقبالًا كبيرًا، وجلس للتحديث، فلما كثر الإقبال عليه أحسّ بعضهم بالحسد. وأثيرت مسألة اللفظ بالقرآن، وهي مسألة دقيقة عند علماء السلف، فنُسب إلى البخاري أنه قال إن لفظه بالقرآن مخلوق، فاعتُبر هذا كلامًا في خلق القرآن، فقال الذهلي: من زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع لا يجالس ولا يكلم. فتخلف الناس عن مجلس البخاري، إلا مسلم بن الحجاج فبقي معه، ثم ترك مجلس الذهلي.
والبخاري نفسه نفى أن يكون قال بخلق القرآن، وقال إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنما أفعال العباد مخلوقة. وقد أنصفه علماء كثيرون في ذلك، وذكروا أن الخلاف لفظي، وأن البخاري أراد أن حركة اللسان وصوت القارئ من فعل العبد، والمقروء كلام الله. هذا ما ذكره الذهبي وابن حجر وغيرهما.
رفض الأمير في بخارى
رجع البخاري إلى بخارى، فاستقبله الناس. ثم طلب منه والي بخارى خالد بن أحمد الذهلي أن يحمل كتابيه الجامع والتاريخ إلى قصره ليقرأهما على أولاده. فرفض البخاري، وقال، على ما نقله العلماء، إنه لا يذل العلم ولا يحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت له حاجة فليحضر إلى مسجده أو داره، وإن لم يعجبه ذلك فهو سلطان فليمنعه من المجلس حتى يكون له عذر عند الله يوم القيامة. وهذه الرواية ذكرها ابن حجر والذهبي، وهي مشهورة.
فحقد عليه الأمير، ودبّر من أخرجه من البلد. فدعا البخاري عليه، على ما نُقل، ولم يلبث إلا قليلًا حتى أُهين خالد ونُفي أو سُجن. وبعض هذه التفاصيل فيه اختلاف بين الروايات، فأكتفي بالمعنى.
وفاته في خرتنك
بلغه أن أهل سمرقند يطلبونه، فخرج إليها. وفي الطريق، عند قرية خرتنك على فرسخين من سمرقند، نزل عند أقارب له، فأصابه مرض. ونقل الذهبي عن غالب بن جبريل أنه سمع البخاري يدعو في الليل: اللهم إنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك. فما تم الشهر حتى مات ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومئتين، ودُفن يوم العيد بعد صلاة الظهر، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا.
وقد أوصى أن يُكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، فنُفذت وصيته. وتذكر كتب المناقب أنه فاحت من قبره رائحة طيبة، ولا أعتمد على إسناد هذا الخبر.
