Islamic MixIslamic Mix
‹ الأئمة والمحدثون
الأئمة والمحدثونمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

مسلم بن الحجاج: صاحب الصحيح الذي لزم البخاري وقال كلمة الإجماع

الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

هو مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أبو الحسين. وُلد في نيسابور سنة أربع ومئتين على المشهور، وقيل سنة ست ومئتين. وقشير قبيلة عربية، فنسبه إليها نسبة ولاء أو نسب على اختلاف في ذلك. وقد نشأ في بيئة علمية، فكانت نيسابور يومئذ من حواضر الحديث، وفيها شيوخ كبار.

الطلب والرحلات

بدأ مسلم السماع مبكرًا، وذكر الحاكم أنه بدأ في حدود الثامنة عشرة ومئتين. وحج سنة عشرين ومئتين، فسمع في مكة من القعنبي، وهو من كبار شيوخ الحديث. ثم رحل إلى العراق والشام ومصر والحجاز، وسمع من قتيبة بن سعيد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. وقد تكرر عنده الأخذ عن أئمة كبار، مما جعله يجمع بين مدرسة الحجاز ومدرسة العراق.

لزومه للبخاري

لما قدم البخاري نيسابور سنة خمسين ومئتين تقريبًا لزمه مسلم، وأكثر من الجلوس إليه، حتى قال بعض من عاصره إنه كان لا يفارقه. وقد روى الحاكم، وتناقل ذلك الذهبي، أن مسلمًا قال للبخاري: دعني أقبّل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله. وهذه العبارة مشهورة جدًا في كتب التراجم، لكنها نُقلت بأسانيد فيها مقال، فتُحمل على أنها تعبّر عن المنزلة الرفيعة التي كان يحتلها البخاري عند تلاميذه.

وحين وقعت فتنة اللفظ بين البخاري والذهلي ترك مسلم مجلس الذهلي. وقد ذكر الحاكم أنه رد إليه ما كان كتبه عنه، وأنه لم يحدث عنه في صحيحه، على اختلاف في الرواية. ولا يعنينا هنا تفصيل ما جرى بينهما، وإنما يهمنا أن مسلمًا آثر صحبة البخاري وإن كلفه ذلك الجفوة من شيخه.

تأليف الصحيح

صنّف مسلم «المسند الصحيح»، وقال، فيما نقله الخطيب البغدادي عنه، إنه صنّفه من ثلاث مئة ألف حديث مسموعة. وهذه عبارة مشهورة، والمراد بها كثرة ما سمعه، وليس عدد الأحاديث الصحيحة. وعدد أحاديث الكتاب نحو أربعة آلاف بغير تكرار على بعض الإحصاءات، وهو يختلف بحسب طريقة العد.

ويُذكر أنه عرض كتابه على أبي زرعة الرازي، فما أشار إلى علة فيه تركه، وما قال إنه صحيح أخرجه. ويستدل بهذا على شدة تحري مسلم. وقد جاءت هذه الرواية عن مسلم نفسه، وفيها أنه قال: ما كان فيه علة تركته. وهي مشهورة في كتب علوم الحديث. وهناك قصة أخرى تُروى أن أبا زرعة قال لبعض ما رأى في الصحيح إنه ذكر فيه أحاديث لبعض الضعفاء، فاعتذر مسلم، وهو ما يذكره العلماء في بحث ما انتُقد على الصحيحين.

ومن أشهر كلمات مسلم في صحيحه ما رواه في باب التشهد، حين سُئل عن حديث أبي هريرة فقال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه. وهذه الكلمة ثابتة في صحيحه نفسه، وتدل على أنه لم يقصد استيعاب كل الصحيح، وإنما التزم أن يخرج ما اتفق عليه نقاد الحديث.

مقدمة الصحيح

كتب مسلم مقدمة لصحيحه بيّن فيها منهجه، وذكر فيها أن الناس ثلاث طبقات في الرواية. وردّ فيها على من اشترط ثبوت اللقاء في الإسناد المعنعن، إذا كان الراوي معاصرًا ولم يُعرف بالتدليس، فأراد أن يكتفي بإمكان اللقاء. وهذا هو الفرق الذي يذكره العلماء بين شرط مسلم وشرط البخاري. والنزاع في هذا مشهور في علوم الحديث، وقد أطال الأصوليون فيه.

الإسناد والتحري عنده

افتتح مسلم مقدمة صحيحه بالتنبيه على خطر رواية الأخبار عن غير الثقات، وذكر قول ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. وهذا القول ثابت في مقدمة صحيحه، وقد نقله عن ابن سيرين رحمه الله. وبهذا يبين مسلم أن علم الإسناد نشأ في ظروف الفتن لحماية الدين.

وفي كتابه ترتيب بديع، فهو يجمع طرق الحديث في موضع واحد، ولا يكرره في أبواب كثيرة كما يفعل البخاري، ولذلك يستفيد الباحث من صحيح مسلم في معرفة طرق الحديث واختلاف ألفاظه. ويقول العلماء: ما اتفق عليه الشيخان يسمى «متفق عليه»، وهو أعلى درجات الحديث الصحيح.

وفاته

توفي مسلم في نيسابور عشية يوم الأحد، لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومئتين، ودُفن في اليوم التالي بنصرآباد خارج نيسابور. وعمره نحو خمس وخمسين سنة على أشهر الأقوال. ويذكر الحاكم وتبعه الذهبي في «السير» خبرًا عن سبب وفاته، أن مجلسًا عُقد للمذاكرة، فذُكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله، وأوقد السراج، وقال لأهله: لا يدخلن أحد هذا البيت. وكان قد أُهدي لهم سلة تمر، فقال: قدموها إلي، فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة، فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث. قالوا: فكان سبب موته. وهذه القصة مشهورة، ولا أستطيع الجزم بسبب الوفاة، ولا بصحة سند الرواية، ولذلك أنبّه على أنها من أخبار المناقب، وأن الذي لا شك فيه أنه مات في هذه السنة وبهذا العمر تقريبًا.

آثاره

له كتب غير الصحيح، منها «الكنى والأسماء»، و«التمييز»، و«العلل»، و«الطبقات». وقد انتشر صحيحه في الآفاق، وصار مع صحيح البخاري عمدة الأمة في الحديث، وتلقته بالقبول. ومن أراد أن يعرف مكانته فلينظر إلى كثرة الشروح عليه، وإلى حرص العلماء على ضبط روايته.

العبرة

الوفاء للأستاذ والإنصاف في الاختلاف من أخلاق أهل الحديث. وقول مسلم: إنما وضعت ما أجمعوا عليه، يعلمنا أن الاحتياط في الدين مقدّم على الاستيعاب.

المصدر: الحاكم: تاريخ نيسابور (بواسطة الذهبي وغيره)؛ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء؛ ابن الصلاح: صيانة صحيح مسلم؛ مقدمة صحيح مسلم، وقوله في كتاب الصلاة باب التشهد.

الدرجة: ثابت منها نسبه وشيوخه وتأليفه الصحيح ووفاته سنة 261هـ وقوله: إنما وضعت ما أجمعوا عليه (وهي في صحيحه)؛ أما عبارة تقبيل رجلي البخاري وقصة التمر وسبب موته فمن أخبار المناقب بأسانيد فيها مقال، وقد نُبّه على ذلك في النص.