هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني، أبو داود، صاحب «السنن». وُلد سنة اثنتين ومئتين في سجستان، وهي إقليم في شرق العالم الإسلامي، ثم رحل في طلب الحديث إلى بلاد كثيرة. وتوفي بالبصرة في السادس عشر من شوال سنة خمس وسبعين ومئتين، على ما ذكره الخطيب والذهبي.
رحلاته وشيوخه
يذكر الذهبي أنه طاف البلاد في طلب الحديث، فدخل خراسان والعراق والشام ومصر والحجاز والجزيرة. وسمع من مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وسليمان بن حرب، والقعنبي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. وكان ملازمًا للإمام أحمد، فسأله مسائل كثيرة جمعها في كتاب «مسائل الإمام أحمد». وهذه من الصلات القوية التي ربطت المحدثين بعضهم ببعض.
وكان رحمه الله يمشي بلباس غريب الشكل، فقد ذكر أحد تلاميذه، وتناقلته الكتب، أن أحد كميه كان واسعًا والآخر ضيقًا، فسُئل عن ذلك فقال: الواسع للكتب، والآخر لا يحتاج إليه. وهذه الحكاية مروية عنه في السير، وهي لا تتعلق بحكم شرعي، ولا أجزم بثبوت سندها. ويذكر الذهبي بعدها وصفه بأنه كان من أئمة الدنيا في الفقه والعلم والحفظ والورع.
كتاب السنن
صنّف أبو داود كتاب «السنن» في الأحاديث التي يحتج بها الفقهاء، فرتبه على أبواب الفقه، وأخرج فيه الأحاديث التي تتعلق بالأحكام. وقد روي عنه أنه قال إنه كتب عن رسول الله ﷺ خمس مئة ألف حديث، وانتخب منها ما ضمنه هذا الكتاب، وهو أربعة آلاف وثمان مئة حديث. وهذا ينقله الخطيب في «تاريخ بغداد» عنه، وهو مشهور في ترجمته، والعدد تقريبي بحسب الطبعات والروايات.
ويذكر العلماء أنه عرض كتابه على الإمام أحمد، فاستحسنه. وقد ورد هذا في بعض الروايات المنقولة عن أبي داود، لكن إسنادها لا يخلو من ضعف.
مؤلفاته الأخرى
لأبي داود مصنفات أخرى غير السنن، منها «المراسيل» وهو في الأحاديث التي رواها التابعون عن النبي ﷺ دون ذكر الصحابي، و«الناسخ والمنسوخ»، و«مسائل الإمام أحمد» التي دوّن فيها أجوبة أحمد عما سأله عنه، و«سؤالات أبي داود للإمام أحمد» في الجرح والتعديل، وكتاب «الزهد». وكثير منها مطبوع اليوم، وهي تدل على أنه كان محدثًا وفقيهًا ناقدًا، لا مجرد جامع للأحاديث.
رسالته إلى أهل مكة
كتب أبو داود رسالة إلى أهل مكة يصف فيها كتابه ومنهجه. وفيها أنه ذكر في كتابه الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وأن ما كان فيه وهن شديد بيّنه، وأن ما لم يذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض. وهذه الرسالة معروفة، وقد ذكرها ابن الصلاح وابن حجر وغيرهما. ومن هنا نشأ مصطلح عند العلماء أن ما سكت عنه أبو داود فهو صالح للاحتجاج في الجملة، لكن العلماء المتأخرين نبهوا على أن في السنن أحاديث ضعيفة سكت عنها، وأن عبارة «صالح» تشمل الحسن والضعيف الذي يصلح للاعتبار. ولذلك لا يُسلَّم بكل ما في السنن دون تحقيق.
ومن عبارات أبي داود المنسوبة إليه أن الإنسان يكفيه في دينه أربعة أحاديث: حديث «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وحديث «لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه»، وحديث «الحلال بيّن والحرام بيّن». وهذا القول ينسبه إليه الذهبي وغيره، وهو من العبارات المشهورة، ولا يعني الاستغناء عن بقية السنة، وإنما هو تعبير عن أصول جامعة.
مكانة السنن عند العلماء
نقل الخطابي في مقدمة «معالم السنن» أن كتاب أبي داود كتاب شريف لم يصنَّف في علم الدين كتاب مثله، وقد رُزق القبول من الناس كافة. وينقل الذهبي عن ابن الأعرابي قوله ما معناه: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله، ثم هذا الكتاب، لم يحتج معهما إلى شيء من العلم البتة. وهذه عبارة مبالغ فيها في ظاهرها، والمقصود بها أن السنن جمعت أكثر أحاديث الأحكام، وليس معناها الاستغناء عن غيرها.
ويرى بعض العلماء أن أبا داود كان يذكر الحديث الضعيف ويسكت عنه، إذا لم يجد في الباب غيره، مقدمًا إياه على آراء الرجال، وهذا ما وافق فيه منهج الإمام أحمد. والمتأخرون تتبعوا أحاديث السنن بالتصحيح والتضعيف، ومنهم الألباني في عصرنا، فصنّف صحيح أبي داود وضعيف أبي داود.
مجلس البصرة
قدم أبو داود البصرة في آخر عمره، وكان قد خربت بعد فتنة الزنج. وتذكر المصادر أن الأمير أبا أحمد الموفق جاءه وسأله أن يستقر بالبصرة ليرحل إليه طلبة العلم فتعمر به، فأجابه إلى ذلك. ثم سأله الأمير أن يُفرد لأولاده مجلسًا خاصًا فقال: لا سبيل إلى هذا، لأن الناس في العلم سواء. فكان أولاد الأمير يحضرون مع العامة، ويجلسون خلف ستار، ويسمعون معهم. وهذه الرواية يذكرها الذهبي وغيره، وهي مشهورة، ولا أتثبت من إسنادها.
ابنه عبد الله
كان له ابن اسمه عبد الله، صار حافظًا مشهورًا يعرف بابن أبي داود، وقد سمع كثيرًا. ونُقل عن أبي داود أنه قال في ابنه: ابني عبد الله كذاب. ذكر ذلك الذهبي وغيره، ويفسره بعضهم بأن مراده الكذب في غير الحديث أو في أمر آخر، وأن العلماء وثقوا ابنه في الرواية. وهذا مثال على أن الأمانة العلمية تقدم القرابة. ولا نحكم هنا بين الأب والابن، وإنما ننقل ما ذُكر في كتب التراجم.
وتوفي أبو داود بالبصرة، وذكر الذهبي أنه دُفن إلى جانب قبر سفيان الثوري، وكان الثوري قد مات مستخفيًا بالبصرة قبله بنحو قرن، وهي من الأخبار التي تُروى في ترجمته ولا يلزم الجزم بها.
