Islamic MixIslamic Mix
‹ الأئمة والمحدثون
الأئمة والمحدثونموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

الترمذي: الحافظ الذي حفظ الجزأين البيضاوين وألف الجامع بدرجاته

الإمام محمد بن عيسى الترمذي رحمه الله

هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة السلمي الترمذي، صاحب «الجامع» المعروف بسنن الترمذي، ومن أصحاب الكتب الستة. وُلد سنة تسع ومئتين على المشهور، ونسبته إلى ترمذ، وهي مدينة على نهر جيحون في ما وراء النهر. وتوفي في ترمذ ليلة الاثنين ثالث عشر رجب سنة تسع وسبعين ومئتين، على ما ذكره الذهبي وغيره.

الطلب والشيوخ

رحل الترمذي في طلب الحديث إلى خراسان والعراق والحجاز، وسمع من قتيبة بن سعيد، ومحمد بن بشار، ومحمود بن غيلان، وعلي بن حجر، وغيرهم من الشيوخ. وكان من أخص تلاميذ البخاري، فتفقه به في الحديث والعلل والرجال، وقد أكثر من النقل عنه في كتابه، ويقول فيه كثيرًا: سألت محمدًا، يعني البخاري، عن هذا الحديث. وروى الذهبي، من قول الترمذي نفسه كما ذكر، أن البخاري قال له: ما انتفعتُ بك أكثر مما انتفعتَ بي. وهذه من العبارات المشهورة التي تنسب إلى البخاري في حق تلميذه، وهي تدل على مكانته، وإن كان إسنادها لا يُقطع به.

وروى عن مسلم بن الحجاج أيضًا، وذكر العلماء أنه روى عنه حديثًا واحدًا في كتابه.

قصة الجزأين

ينقل الذهبي في «سير أعلام النبلاء» عن الترمذي نفسه خبرًا في حفظه، وهو من أشهر ما يُروى عنه. قال: كنت في طريق مكة، وقد كتبت جزأين من أحاديث شيخ، فمرّ بنا ذلك الشيخ، فسألت عنه فقيل لي: هو ذاك. فسألته أن يسمعني، وظننت أن الجزأين معي، فحملت معي جزأين بياضًا، أي ورقًا خاليًا من الكتابة، وجعلت أقرأ عليه من حفظي، فنظر الشيخ فرأى الورق أبيض، فقال: أما تستحي مني؟ فأخبرته بالأمر وأني أحفظها كلها. فقال: اقرأ، فقرأتها عليه على الولاء. فقال: هل استظهرتها قبل أن تجيء؟ قلت: لا، وإنما أنا أحفظ. فسألته أن يحدثني بغيرها، فحدثني بأربعين حديثًا من غرائب حديثه، ثم قال: هات، فقرأتها عليه ولم أخطئ في حرف. فقال: ما رأيت مثلك.

وهذه القصة منقولة عن الترمذي نفسه كما يرويها الذهبي في السير، وهي مشهورة بين المحدثين، لكنها من القصص التي لا يُجزم بإسنادها، فلتُحمل على أنها من مرويات التراجم. والمقصود منها الدلالة على قوة حفظه، وهي صفة معروفة له، فقد وصفه العلماء بأنه أحد الأئمة الحفاظ الذين يُقتدى بهم في علم الحديث.

الجامع وطريقته

ألّف الترمذي كتاب «الجامع»، وسماه جامعًا لأنه جمع فيه أبوابًا كثيرة من الفقه والتفسير والسير والآداب والأحكام. وتميز كتابه بطريقة خاصة، فهو يذكر الحديث، ثم يحكم عليه بدرجة، مثل قوله: حديث حسن صحيح، أو حديث حسن غريب، أو حديث غريب. ثم يذكر في الباب عن عدد من الصحابة بعبارة: وفي الباب عن فلان وفلان، يشير بذلك إلى أن الحديث جاء من طرق أخرى. ثم يذكر أقوال الفقهاء في المسألة، فيقول: والعمل على هذا عند أهل العلم. وقد انتفع الفقهاء بكتابه لهذه الميزة، فهو يعين على فهم اختلاف المذاهب.

وقد أطال العلماء الحديث عن اصطلاح الترمذي في قوله حسن، وقد بيّنه هو في آخر الجامع في «العلل الصغير»، فذكر أن الحسن عنده ما لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويُروى من غير وجه نحو ذلك. وهذا هو المعنى الذي ينقله ابن رجب وغيره في شرحه.

ومن أهم ما قاله في آخر الكتاب أن جميع ما فيه من الحديث فهو معمول به وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين: حديث ابن عباس أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر، وحديث النبي ﷺ في شارب الخمر إذا شرب الرابعة فاقتلوه. وبيّن في الكتاب علة هذين الحديثين. وهذا النص ثابت في كتاب «العلل الصغير» الملحق بالجامع، ويستشهد به العلماء في بيان شرطه.

ثناؤه على كتابه

ينقل الذهبي عن الترمذي أنه قال: صنّفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم. وهذه العبارة مشهورة، وفيها مبالغة في المدح لا تليق بأن تُحمل على ظاهرها، والمراد الحث على الاعتناء بالكتاب. وإسنادها لا يخلو من نظر، فلتُنقل على سبيل الحكاية.

تنبيه على الدرجة

ومن الإنصاف أن يُنبّه على أن الجامع ليس كله صحيحًا. فقد جمع فيه الصحيح والحسن والضعيف، وبيّن درجة أكثر أحاديثه. وانتقد بعض العلماء تساهله في تحسين بعض الأحاديث، كحديثه عن كثير بن عبد الله المزني في الصلح، فقد قال الذهبي في ميزان الاعتدال ما معناه إن العلماء لا يعتمدون على تصحيح الترمذي لهذا السبب. ولذلك فمن أراد أن يحتج بحديث من الجامع فليتحقق من الحكم عليه من أقوال النقاد المتأخرين كابن حجر والألباني وغيرهما، وليس عليه أن يكتفي بقول الترمذي وحده.

آخر عمره

يذكر بعض المترجمين أن الترمذي عمي في آخر عمره، وقيل إنه ولد أكمه، وهذا بعيد لأنه رحل وكتب وقرأ كما مر. وهذه من الأخبار التي اختلف فيها، فالأولى أن نقول: قيل. وتوفي في ترمذ، ولم يذكر المؤرخون عنه فتنة أو محنة، وإنما اشتهر بالعلم والحفظ والخشية.

ومن مؤلفاته غير الجامع: «العلل الكبير»، و«الشمائل المحمدية» التي جمع فيها أخلاق النبي ﷺ وصفاته، وغيرها، وبعضها ما زال مطبوعًا.

العبرة

الحفظ نعمة تحتاج إلى مجاهدة، والأمانة العلمية تقتضي بيان درجة الحديث لا الاكتفاء بجمعه. ومن اتبع العلماء الكبار انتفع بهم، وانتفع بهم غيره.

المصدر: الذهبي: سير أعلام النبلاء (ترجمة الترمذي) وميزان الاعتدال؛ ابن حجر: تهذيب التهذيب؛ كتاب الجامع للترمذي وكتاب العلل الصغير الملحق بآخره؛ ابن رجب: شرح علل الترمذي.

الدرجة: ثابت منها نسبه وشيوخه ووفاته سنة 279هـ وتأليف الجامع وكلامه في العلل الصغير؛ أما قصة الجزأين البيضاوين وعبارة أن في بيته نبيًا يتكلم وعبارة البخاري له وعمى الترمذي فمن أخبار التراجم بأسانيد فيها نظر، وقد نُبّه عليها في النص.