Islamic MixIslamic Mix
‹ الأئمة والمحدثون
الأئمة والمحدثونمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

ابن ماجه: القزويني صاحب السنن في اثنين وثلاثين كتابًا ورواية عرضها على أبي زرعة

الإمام محمد بن يزيد بن ماجه القزويني رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

هو أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، المعروف بابن ماجه، وماجه لقب لأبيه يزيد أو لجده على اختلاف في ذلك. وُلد في قزوين، وهي مدينة في بلاد فارس، سنة تسع ومئتين، وتوفي يوم الاثنين لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومئتين، ودُفن يوم الثلاثاء، كما ذكر الذهبي في السير. وهو صاحب «السنن» التي تعد من الكتب الستة.

رحلاته وشيوخه

رحل ابن ماجه بعد أن سمع في بلده قزوين سنة ثلاثين ومئتين تقريبًا، وطاف في البلاد، فدخل الري والبصرة والكوفة وبغداد ومكة والشام ومصر. وقد ذكر الذهبي أنه سمع من أبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار، وغيرهما من الأئمة. وهذا مما يدل على أنه من طبقة من طبقات أهل الحديث الذين لازموا كبارهم.

وقد وصفه أبو يعلى الخليلي في كتاب «الإرشاد» بأنه ثقة كبير متفق عليه محتج به، له معرفة بالحديث وحفظ، وله مصنفات في السنن والتفسير والتاريخ، وهذه شهادة ينقلها الذهبي وغيره. ومن كتبه التي لم تصلنا تفسير القرآن وتاريخ قزوين، وهما من الكتب المفقودة اليوم.

كتاب السنن

ألّف ابن ماجه «السنن»، ورتبها على أبواب الفقه، وقد ذكر ابن كثير وغيره أن فيها اثنين وثلاثين كتابًا وألفًا وخمس مئة باب، وأن عدد أحاديثها نحو أربعة آلاف حديث. ويتفاوت عدد الأحاديث بحسب الترقيم، وفي طبعة محمد فؤاد عبد الباقي أرقام تزيد على ذلك قليلًا، والعدد على أي حال بين أربعة آلاف وأكثر.

وتمتاز السنن بحسن ترتيب الأبواب وقلة التكرار. وفيها أحاديث لا توجد في الكتب الخمسة الأخرى، تسمى زوائد ابن ماجه، وهي تزيد على ألف حديث، وقد جمعها البوصيري في كتاب «مصباح الزجاجة»، وبيّن درجتها. ولهذا فمعرفة هذه الزوائد مهمة، فإن فيها الصحيح والحسن والضعيف الشديد.

ترتيب السنن وما يميزها

بدأ ابن ماجه سننه بمقدمة فيها أبواب في اتباع سنة رسول الله ﷺ وتعظيم حديثه، وفضائل الصحابة رضي الله عنهم، والرد على الجهمية، وهي مقدمة أوسع مما في غيره من كتب السنن. ثم مضى على ترتيب الفقه من الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج، وانتهى بكتب في الزهد والفتن وأشراط الساعة والتعبير. وكتاب الفتن فيه من أطول الكتب، وفيه أحاديث في الملاحم وأشراط الساعة، وبعضها فيه ضعف وبعضها صحيح، ولذلك فمن قرأه فليتثبت في درجات أحاديثه.

وقد اشتهرت رواية السنن عن ابن ماجه من طريق أبي الحسن علي بن إبراهيم القطان القزويني، وعليها اعتمدت النسخ المتداولة. وللكتاب شروح وحواشٍ، منها حاشية السندي، وكتب لجمع زوائده على الكتب الخمسة، كما ذكرنا.

عرضه على أبي زرعة

يروى أن ابن ماجه عرض كتابه على الحافظ أبي زرعة الرازي، فنظر فيه وقال، على ما ينقله الذهبي وابن كثير: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها. ثم قال: لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف. وهذا الخبر منقول عن ابن ماجه أو عن تلاميذه، ولا أقطع بصحة سنده، ومع ذلك فإن واقع الأحاديث الضعيفة في السنن أكثر بكثير من هذا العدد، فإن العلماء الذين درسوا السنن وجدوا فيها أحاديث ضعيفة جدًا، وفيها نحو ما يزيد على ذلك. فإن صحت الرواية عن أبي زرعة فمعناها الثناء على الكتاب من جهة جمعه وترتيبه، لا الحكم بصحة كل ما فيه.

مكانته بين الكتب الستة

لم يكن ابن ماجه ضمن الأصول الخمسة المتفق عليها عند المتقدمين، بل كان العلماء يعدّون الخمسة: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. ثم جاء أبو الفضل ابن طاهر المقدسي في القرن الخامس فأضاف سنن ابن ماجه سادسًا في كتابه «أطراف الكتب الستة»، وتبعه عبد الغني المقدسي في «الكمال في أسماء الرجال». وذهب بعض العلماء، كرزين العبدري، إلى جعل الموطأ سادسًا بدل ابن ماجه، وجعله ابن الأثير كذلك في «جامع الأصول». ثم استقر العمل على إضافة ابن ماجه.

وقد نبه العلماء على أن مرتبة السنن دون مرتبة الخمسة، لوجود الأحاديث الضعيفة الشديدة والمنكرة فيها، حتى قال بعضهم إن فيها أحاديث موضوعة قليلة. والحافظ ابن حجر وغيره ذكروا أن ابن ماجه ينفرد بأحاديث ضعيفة جدًا. ولا يعني ذلك الاستغناء عن السنن، فإن فيها فوائد كثيرة في الترتيب والفقه، وفيها أحاديث صحيحة مرتبة. ومن الطرائف العلمية التي ينص عليها العلماء أن فيه خمسة أحاديث ثلاثية الإسناد، أي بينه وبين النبي ﷺ ثلاثة رواة فقط، ولكن رواتها من الضعفاء، فلا قيمة لعلو الإسناد فيها.

وفاته

لم يذكر المؤرخون لابن ماجه محنة مشهورة ولا قصة غريبة، بل ذكروا أنه تولى دفنه أخواه أبو بكر وعبد الله وابنه، ودُفن بقزوين، وقد ذكر ذلك الذهبي في ترجمته. وبقيت سننه مصدرًا من مصادر المسلمين في الأحكام والآداب.

درس من سيرته

عاش ابن ماجه في زمن كثر فيه المحدثون، وصارت الكتب التي تجمع السنن كثيرة، فجاءت سننه مساهمة جديدة بترتيب وبأحاديث لم يجمعها غيره. وفي هذا درس لطالب العلم أن الكتب تتفاوت في مراتبها، وأن الأمانة تقتضي أن نعطي كل كتاب منزلته، فلا نرفع الضعيف ولا نهدر ما فيه من فائدة.

العبرة

لكل كتاب منزلته في العلم، والعالم الأمين يعطي كل ذي قدر قدره فلا يرفع الضعيف ولا يهدر النافع. ومعرفة درجة الحديث شرط للاحتجاج به.

المصدر: الذهبي: سير أعلام النبلاء (ترجمة ابن ماجه)؛ ابن كثير: البداية والنهاية؛ أبو يعلى الخليلي: الإرشاد؛ البوصيري: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه؛ ابن حجر: تهذيب التهذيب.

الدرجة: ثابت منها نسبه وكتاب السنن وإضافته سادسًا للستة ووجود الضعيف الشديد فيه؛ أما قصة عرضه على أبي زرعة وقوله فمنقولة بسند فيه ضعف، وقد نُبّه عليها في النص، ولا يثبت من تفاصيل وفاته إلا التاريخ.