هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي، من نسا في خراسان. وُلد سنة خمس عشرة ومئتين، ورحل في طلب الحديث إلى الحجاز والعراق والشام ومصر والجزيرة، وبلغ فيه منزلة عظيمة. وتوفي سنة ثلاث وثلاث مئة. وقد اختلف في موضع وفاته اختلافًا مشهورًا سنذكره.
الطلب والشيوخ
بدأ النسائي سماع الحديث من قتيبة بن سعيد في بلدة بغلان، فأقام عنده سنة وشهرين على ما ذكره الذهبي، وسمع منه كثيرًا. ثم رحل إلى الأمصار وسمع من إسحاق بن راهويه وهشام بن عمار ومحمد بن بشار وغيرهم. واستقر في مصر مدة طويلة، وصار فيها إمامًا، وتخرج عليه فيها خلق، ومنهم أبو بكر بن الحداد، فقيه شافعي من أهل مصر، وكان لا يحدث عن غير النسائي، وقال، على ما نقله الذهبي: رضيت به حجة فيما بيني وبين الله تعالى. وهذه الشهادة ينقلها الذهبي في السير، وهي تدل على مكانته عند تلاميذه.
وقد وصفه العلماء بالعبادة والورع، فنُقل أنه كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويقوم الليل، ويحج كثيرًا، وأنه كان يغزو مع أمير مصر ويشهد الجهاد. وهذه الصفات رواها الذهبي عن بعض من ترجم له، وإن لم أقف على أسانيدها فهي تنسجم مع ما اشتهر عنه.
السنن الكبرى والمجتبى
ألّف النسائي «السنن الكبرى»، وهو كتاب كبير في الحديث على الأبواب. ثم اختصر منه «المجتبى» أو «السنن الصغرى»، وهو الكتاب المتداول اليوم. وقد ذكر ابن الأثير وابن طاهر وغيرهما خبرًا أن أمير الرملة سأل النسائي: أكل ما في كتابك السنن صحيح؟ فقال: لا. فقال: فجرّد منه الصحيح. فصنف المجتبى. وهذا الخبر مشهور، لكنه لم يثبت بسند أطمئن إليه، وذهب بعضهم إلى أن الذي اختصره بعض تلاميذه كابن السني، ورد عليه آخرون وجعلوه من عمل النسائي نفسه. فالأمر محل خلاف، ولتُذكر القصة على أنها حكاية.
ويقال إن شرطه في الرجال أشد من شرط مسلم، فهو يتجنب كثيرًا من الرواة الذين يخرج لهم مسلم، وقد نقل ذلك عن بعض الأئمة، وإن لم يتفق عليه الجميع. وفي السنن الصغرى أحاديث ضعيفة قليلة بالنسبة لغيرها من السنن، ومع ذلك يقول العلماء إنها أقل الكتب الستة ضعفًا بعد الصحيحين.
كتبه الأخرى ومنهجه في بيان العلل
للنسائي مؤلفات غير السنن، منها «الضعفاء والمتروكون» في الرجال، و«عمل اليوم والليلة» في الأذكار، و«فضائل الصحابة»، و«مسند علي»، وغيرها. وتمتاز سننه الصغرى بأنه كثيرًا ما يشير إلى الاختلاف في أسانيد الحديث وألفاظه، فيذكر الرواية الراجحة ثم يبين الرواية المرجوحة، فيجمع في كتابه بين الرواية والنقد. ولذلك وصف العلماء السنن بأنها أقرب الكتب الستة إلى منهج الصحيحين.
وقد أثنى عليه الأئمة. فنقل الذهبي عن الدارقطني قوله إن أبا عبد الرحمن كان أفقه مشايخ مصر في عصره وأعلمهم بالحديث والرجال. ونقل عن أبي علي النيسابوري أنه إمام في الحديث بلا مدافعة. وهذه الأقوال مشهورة في ترجمته.
الخصائص وفتنة دمشق
ألّف النسائي كتابًا في فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه سماه «خصائص علي». وتذكر كتب التراجم أن سبب ذلك أنه دخل دمشق، فوجد فيها كثيرًا ممن ينحرفون عن علي رضي الله عنه، فأراد أن يهديهم الله بكتابه. ذكر هذا الخبر الذهبي وابن حجر وغيرهما. ويذكرون أنه قيل له: ألا تصنف في فضائل الشيخين كما صنفت في فضائل علي؟ فقال ما معناه إنه كتب ما يتعلق بما أراد الله أن يهدي به أهل دمشق.
ثم تذكر بعض الروايات أنه سُئل في دمشق عن فضائل معاوية رضي الله عنه، فأجاب بكلام لم يرضَ به أهل المسجد، فضربوه في خصيتيه وأخرجوه من المسجد، وأنه حُمل إلى الرملة أو إلى مكة، فمات متأثرًا بذلك. وهذه القصة مشهورة في كتب التراجم، وقد ذكرها الذهبي نقلًا عن غيره، لكنها لا تثبت بسند صحيح فيما أعلم، وقد اختلفت ألفاظها اختلافًا كبيرًا، فبعضها فيه كلام سيئ منسوب إلى النسائي، وهو ما أنكره بعض العلماء من أن يصدر عن مثله. وتذكر رواية أخرى أنه قال إنه لا يعرف له فضيلة إلا حديث «لا أشبع الله بطنه»، ولم يثبت ذلك عنه بسند صحيح. والحديث نفسه أورده مسلم في صحيحه في باب من دعا عليه النبي ﷺ وليس أهلًا لذلك، وفيه أنه ﷺ قال إن ذلك يكون له زكاة وأجرًا، فلا يُفهم منه ذم أحد من الصحابة.
والذي ينبغي أن يُقال: إن النسائي رحمه الله ثبتت له محنة في دمشق في آخر عمره على ما اشتهر، وأن تفاصيلها غير محررة، وأن الواجب في حق الصحابة رضي الله عنهم الكف عما شجر بينهم. وقد قال العلماء في مثل هذا: إن كلام الأئمة في الصحابة لا يؤخذ إلا من طريق ثابت.
مكان وفاته
اختلف في موضع وفاته. فقال بعضهم إنه مات بالرملة في فلسطين، وهو قول ابن يونس المصري وغيره، ونقله الذهبي. وقال بعضهم إنه حُمل إلى مكة فمات بها ودفن بين الصفا والمروة، وروى الذهبي هذا عن الدارقطني، وفيه ما فيه. والأرجح عند الذهبي أنه مات بالرملة. وتاريخ الوفاة يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاث مئة على أشهر الروايات، وعمره نحو ثمان وثمانين سنة.
الخاتمة
اشتهر النسائي بشدة التحري في الرجال، حتى جعلوا كتابه أقل الستة ضعفًا. وفي حياته درس أن التثبت يقتضي أن ننظر في مصادر الأخبار قبل أن نبني عليها أحكامًا، فإن قصة محنته في دمشق، وإن اشتهرت، لم تُحرر كما ينبغي. والمعول عليه في سيرته ما اتفق عليه المؤرخون من علمه وورعه وتصانيفه، وما سوى ذلك فمحل نظر.
