هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، من ثور بن عبد مناة. وُلد بالكوفة سنة سبع وتسعين للهجرة، ونشأ في بيت علم، فأبوه سعيد بن مسروق من رجال الحديث، وقد روى عنه سفيان، وكانت أمه امرأة صالحة تحثه على الطلب كما سيأتي. وكان من أئمة المسلمين في زمانه، ولقبه العلماء بأمير المؤمنين في الحديث، وقد شاركه في ذلك شعبة بن الحجاج وغيره.
أمه وبدء الطلب
يروي الذهبي في «سير أعلام النبلاء» عن أم سفيان وصية لابنه: يا بني، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي. وفي رواية عنها أنها قالت له: يا بني، إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك. وهذا الخبر ينقله أبو نعيم في الحلية وغيره، وهو من أجمل ما يُروى في عناية الأمهات بتربية أبنائهن، وإن كان إسناده لا يخلو من نظر. وحكاية الأم التي تغزل لتعين ابنها تتكرر عن غير واحد من الأئمة، فلا يُجزم بتفاصيلها.
مكانته في الحديث
حفظ سفيان الحديث وجوّده، وكان إمامًا فيه، وقد قال عنه شعبة وابن المبارك ويحيى القطان وغيرهم عبارات الثناء، كقول بعضهم إنه أحفظ الناس وأفقههم. وقال عبد الرحمن بن مهدي ما معناه: ما رأيت أحدًا أحفظ للحديث من سفيان. وكل هذه الأقوال مشهورة في كتب التراجم، ينقلها الذهبي والمزي في التهذيب.
وله كتاب «الجامع» في الفقه والحديث، وهو من أقدم ما دُوّن في ذلك. وكان له مذهب فقهي في الكوفة، بقي زمنًا ثم اندثر لقلة أتباعه، ولم يصل إلينا منه إلا ما نقل في كتب الخلاف وفي مصنف عبد الرزاق. ومن أصحابه الذين نقلوا عنه عبد الرزاق، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، ويحيى القطان.
الزهد والنية
عُرف سفيان بالزهد وشدة الخوف من الله. وتروى عنه عبارات في ذلك، منها قوله: ما عالجتُ شيئًا أشد عليّ من نيتي، إنها تتقلب عليّ. وقوله: ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرئاسة، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإذا نوزع الرئاسة حامى عليها وعادى. وهذه العبارات رواها أبو نعيم في الحلية والذهبي، وهي مشهورة عنه، ولا أستطيع القطع بأسانيد كل واحدة منها. ومعناها صحيح، فالنية مدار العمل، وقد قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، وهو حديث متفق عليه.
عنايته بالمال والكسب
ومما يروى عن سفيان في المال قوله: كان المال فيما مضى يُكره، فأما اليوم فهو ترس المؤمن. ينقله أبو نعيم في الحلية، وهو يدل على أنه كان يرى أن المال الحلال يحفظ الدين ويغني عن أبواب الناس، وكان رحمه الله يتاجر، على ما ذكره بعض المترجمين، ولا يرى بأسًا بالكسب مع الزهد. وهذا المعنى يتفق مع ما سبق من رفضه عطايا السلاطين، إذ أن الاستغناء بالكسب أساس الاستقلال.
ملاحظة نقدية
ومن الأمانة العلمية أن يُذكر أن بعض النقاد وصفوا الثوري بشيء من التدليس، أي أنه ربما روى عمن لم يسمع منه بصيغة توهم السماع. وقد جعله الحافظ ابن حجر في الطبقة الثانية من المدلسين، وهي الطبقة التي احتمل الأئمة تدليسها لإمامة أصحابها وقلة ما دلسوا. ولا ينقص هذا من قدره، لكنه يبين أن النقد عند المحدثين كان يتناول الأئمة الكبار كما يتناول غيرهم. وقد أخرج له البخاري ومسلم وسائر أصحاب الكتب الستة.
موقفه من الولايات والسلطان
عاش سفيان في زمن الدولة الأموية ثم العباسية، وكان معروفًا بامتناعه عن الولايات والعطايا. وطلب منه الخليفة أبو جعفر المنصور أن يتولى القضاء، فأبى، ثم تذكر كتب التراجم أنه خشي على نفسه بعد ذلك، فاختفى عن الأنظار، وخرج إلى مكة، ثم تحول إلى البصرة. ويذكر المترجمون أن الخليفة طلبه، وأنه تواري عن الأنظار. وقد ورد في بعض الأخبار أن سفيان كان يتكلم في الحرم عن الحكام بما يكرهون، وتُروى له رسالة إلى بعض العباد يحذرهم فيها من الركون إلى السلطان، وهذه الأخبار مشهورة في ترجمته، وبعض تفاصيلها يحتاج إلى تدقيق في الإسناد.
وفي البصرة مرض مرضه الأخير مختفيًا، وتوفي في شعبان سنة إحدى وستين ومئة، وكان عمره أربعًا وستين سنة. ثم صُلي عليه ودُفن بالبصرة. ويحدثنا الذهبي عن مرضه ما معناه إنه أكثر من الخوف من الله، وقد نقل عنه قوله عند موته: أخاف أن أُسلب الإيمان، وهي عبارة تتردد في كتب الزهد،
ثناء العلماء
قال عنه يحيى بن سعيد القطان ما معناه إنه أثبت من شعبة في الحديث، وقال شعبة: سفيان أحفظ مني. وهذا مما يدل على مكانته. ويذكر الذهبي عن الإمام الشافعي أنه رأى مرتبته عالية، وعن الإمام أحمد أنه يقدمه في الحديث. وتتباين الأقوال في ذكر من فضل الثوري على غيره، لكنها كلها تتفق على جلالة قدره.
درس من سيرته
يجتمع في سيرة سفيان الحفظ والزهد والاستقلال، فلم يكن عالمًا مقلدًا ولا موظفًا عند السلطان، وإنما كان صاحب مبدأ ومنهج، فآثر الغربة والاختفاء على ولاية فيها خطر على دينه. وهذا مما يدل على أن العلم يحتاج إلى حماية من التقرب لأهل الدنيا. وفي الوقت نفسه ينبغي أن نحتاط في كل ما يُنسب إليه من أقوال وقصص، فإن كتب الزهد كثيرًا ما تجمع بين الصحيح وغيره.
