Islamic MixIslamic Mix
‹ الأئمة والمحدثون
الأئمة والمحدثونموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

الأوزاعي: مرابط بيروت الذي كتب في الذمة ورفض سفك الدماء

الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي رحمه الله

هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، إمام أهل الشام في زمانه. وُلد في بعلبك سنة ثمان وثمانين للهجرة على المشهور، وقيل غير ذلك، ونشأ يتيمًا فقيرًا، وانتقل إلى دمشق فسكنها، وكان يسكن في محلة الأوزاع، فنُسب إليها. ثم استقر في بيروت مرابطًا في سبيل الله، وتوفي بها سنة سبع وخمسين ومئة. وكان إمامًا في الحديث والفقه والعبادة، ومرجعًا لأهل الشام وأهل الأندلس زمنًا طويلًا قبل أن ينتشر مذهب مالك.

الطلب والشيوخ

سمع الأوزاعي من عطاء بن أبي رباح، ومحمد بن سيرين، وقتادة، والزهري، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم من كبار التابعين. وقد ذكر الذهبي أنه كان من أحسن الناس سمتًا وأعظمهم هيبة. وروى عنه جماعة من الأئمة كالثوري ومالك وابن المبارك والوليد بن مسلم. وكتبه دُوّنت بعد موته، وما وصلنا منها قليل، وأكثره مروي في كتب الخلاف والمنقولات عنه.

كلمات في الاتباع

يُروى عن الأوزاعي أنه قال: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول. وهذه الكلمة نقلها الآجري وغيره في كتب السنة، وتنسب إليه بالإسناد، وهي من العبارات المشهورة، ولا أتثبت من سندها. ويروى عنه أيضًا قوله: العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ، وما لم يجئ عنهم فليس بعلم. وهي كذلك مما تناقلته كتب العقيدة، والأولى أن تُنقل على أنها مروية.

كتابه إلى والي الدولة العباسية في أهل الذمة

من أبرز المواقف التي تُنسب إلى الأوزاعي موقفه من أهل جبل لبنان. فقد ذكر البلاذري في «فتوح البلدان» أن جماعة من أهل الجبل خرجوا على الدولة العباسية في ولاية صالح بن علي، فأجلاهم الوالي عن جبلهم وفرقهم، ومنهم من لم يشترك في الثورة. فكتب الأوزاعي إلى صالح بن علي رسالة يعتب عليه فيها، وكان مما قاله فيها، على ما نقله البلاذري: إن بعض الذميين خرجوا ولم يعتب بذلك على غيرهم، وإنه لم يكن يحل أن يؤخذ العامة بذنب الخاصة، وإن الله يقول: ﴿ألا تزر وازرة وزر أخرى﴾. وإن أحق ما اقتدي به وحفظ وصية رسول الله ﷺ. وقد استشهد الأوزاعي بحديث ثابت: «ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة» رواه أبو داود، وصححه جمع من أهل العلم بمجموع طرقه.

وهذه الواقعة مشهورة في كتب التاريخ والفقه، وتُذكر لبيان أن علماء المسلمين دافعوا عن حقوق أهل الذمة. ولا أجزم بألفاظ الرسالة كلها، فهي منقولة بالمعنى، لكن أصل الواقعة أي كتابته إلى الوالي ثابت عند كثير من المؤرخين.

لقاؤه بعبد الله بن علي

وفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة، لما انقضت دولة بني أمية وفتح العباسيون الشام، دخل عمّ الخليفة عبد الله بن علي دمشق، وقتل من بني أمية خلقًا كثيرًا. ويذكر الذهبي وغيره أن الأوزاعي دخل عليه، فسأله الأمير عن رأيه في قتل بني أمية. فاستشهد الأوزاعي بحديث «إنما الأعمال بالنيات»، ثم بحديث «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث»، وهو متفق عليه. وتذكر الرواية أن الأمير غضب وأن الأمر كاد يتطور، لكن الأوزاعي ثبت.

وتفاصيل هذه القصة، ومنها عبارات الأمير وألفاظ الأوزاعي، ترد في روايات متعددة بينها اختلاف، ولذلك ينبغي أن نقول إنها خبر مشهور في كتب التراجم، لا نجزم بكل ألفاظه،

عبادته ووفاته

يصف المترجمون الأوزاعي بكثرة الصلاة والبكاء من خشية الله، ويذكرون أنه كان مقيمًا بالرباط، وأنه كان يعمل في إصلاح أمور الناس. وأما وفاته، فيروي الذهبي أن الأوزاعي دخل الحمام فأغلق عليه الحمامي الباب ثم نسيه، ثم فتحه فوجده ميتًا واضعًا يده تحت خده مستقبل القبلة. وهذا الخبر مشهور ولكن فيه اختلاف، وأنا لا أتثبت من سنده، وبعض الروايات تذكر أن موته كان في الحمام ولكن دون هذه التفاصيل. وقد اشتهر أنه دُفن في بيروت، ولا يزال قبره معروفًا في ضاحية منها.

سير الأوزاعي والرد عليه

عرف الأوزاعي بفقه السير والجهاد، فكان له رأي في أحكام الحرب والغنائم والأسرى والأمان وما يتصل بذلك، وقد جمع أصحابه آراءه في كتاب سموه «سير الأوزاعي». ثم رد عليه أبو يوسف صاحب أبي حنيفة في كتاب «الرد على سير الأوزاعي»، ووقف الشافعي على الكتابين فذكر الخلاف بينهما في «الأم». وهذا يدل على أن آراء الأوزاعي كانت مرجعًا يُناقش في بغداد والحجاز ومصر كما يناقش في الشام.

مذهبه في الأندلس

انتقل مذهب الأوزاعي إلى الأندلس مع الفاتحين الأوائل من أهل الشام، فكان هو السائد هناك مدة. ثم جاء مذهب مالك على يد زياد بن عبد الرحمن الذي يقال له شبطون ومن بعده، ثم اشتد انتشاره في عهد الأمراء الأمويين هناك كهشام بن عبد الرحمن، فتراجع مذهب الأوزاعي. وهذا ما ذكره المؤرخون وأصحاب الطبقات، وإن اختلفوا في تفاصيل التواريخ.

حال مذهبه

بقي مذهب الأوزاعي سائدًا في الشام ثم تغلب عليه مذهب الشافعي والحنفي، وفي الأندلس تغلب عليه مذهب مالك. وبقيت أقواله تذكر في كتب الخلاف وفي «مصنف عبد الرزاق»، ويستشهد بها الإمام الشافعي في «الأم» في مسائل السير، ومنها ما يتعلق بالجهاد وأحكام الذمة. وبهذا بقي أثر الأوزاعي حيًّا عند الفقهاء.

العبرة

العدل مع غير المسلمين المعاهدين من صميم الدين، ولا يؤخذ أحد بذنب غيره. والعالم يقول الحق ولو أمام السيوف.

المصدر: الذهبي: سير أعلام النبلاء (ترجمة الأوزاعي)؛ البلاذري: فتوح البلدان؛ أبو داود: السنن (كتاب الخراج والإمارة والفيء)؛ المزي: تهذيب الكمال.

الدرجة: ثابت منها نسبه ورباطه في بيروت ووفاته سنة 157هـ وكتابته إلى والي الشام في أهل الذمة (أصل الواقعة)؛ أما ألفاظ الحوار مع عبد الله بن علي وقصة موته في الحمام وكلماته في الاتباع فمنقولة بأسانيد فيها نظر أو بالمعنى، وقد نُبّه على ذلك في النص.