هو أبو الحارث الليث بن سعد الفهمي، مولاهم، إمام أهل مصر وفقيهها ومحدثها. وُلد في قرية قلقشندة من قرى مصر سنة أربع وتسعين للهجرة على المشهور، وتوفي بالفسطاط في منتصف شعبان سنة خمس وسبعين ومئة. وتذكر بعض كتب التراجم أن أصله من أصبهان، وأنه كان مولى لقيس بن رفاعة الفهمي، وهذا ما ذكره الذهبي وابن خلكان. وقد بلغ في مصر منزلة جعلت الأمراء يرجعون إلى رأيه.
شيوخه وطلبه للعلم
سمع الليث من عدد من كبار التابعين، ومنهم عطاء بن أبي رباح، ونافع مولى ابن عمر، وابن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو الزبير المكي، وغيرهم. وحج وزار المدينة ومكة، واجتمع بعلماء الحجاز، ثم عاد إلى مصر فجلس للفتوى والحديث. وقد روى عنه الأئمة، كابن المبارك، وابن وهب، وقتيبة بن سعيد، ويحيى بن بكير، وغيرهم، وأخرج له أصحاب الكتب الستة.
العلم في مصر قبل الليث وبعده
كانت مصر قد فُتحت في خلافة عمر رضي الله عنه على يد عمرو بن العاص رضي الله عنه، ونزلها جماعة من الصحابة، منهم عمرو بن العاص وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم، فتعلم أهلها منهم ومن تلاميذهم. وكان في مصر قبل الليث من الفقهاء يزيد بن أبي حبيب، وهو من شيوخ الليث وقد توفي سنة ثمان وعشرين ومئة، وكان مفتي مصر. ثم انتهى الأمر إلى الليث، ثم جاء بعده تلاميذ أجلّة، كعبد الله بن وهب الذي روى عن الليث ومالك جميعًا ونقل علمهما إلى مصر. وهذا ما ذكره المترجمون في سلسلة علماء مصر.
مكانته
وصفه تلاميذه بالجمع بين العلم والكرم. فنقل الذهبي عن يحيى بن بكير قوله: ما رأيت أحدًا أكمل من الليث، كان فقيه البدن، عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الشعر والحديث، حسن المذاكرة. وهذا الأثر مشهور في ترجمته، وإسناده قريب من الصحة.
وقد اشتهرت مقولة الشافعي في الليث: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به. رواها الذهبي وغيره عن الشافعي بألفاظ متقاربة، وفيها شهادة عظيمة من الشافعي الذي لقي مالكًا وتتلمذ عليه، ولكنها تدل على أن الفقه الذي كان عند الليث لم يجد من ينشره بعده كما نُشر فقه مالك. ويقول بعض العلماء إن أتباع الليث بمصر اندمجوا بعد ذلك في المذهب المالكي أو الشافعي.
رسالة الليث إلى مالك
من أهم ما حفظه لنا التاريخ في علاقة الإمامين رسالة طويلة من الليث إلى مالك بن أنس، رواها يعقوب بن سفيان الفسوي في كتابه «المعرفة والتاريخ»، ونقل منها ابن القيم في «إعلام الموقعين». وهي من أقدم الوثائق في تاريخ الفقه، وقد تناولها الباحثون بالدراسة. وفحواها، كما حفظته الروايات، أن الليث بلغه أن مالكًا يفتي بأشياء مخالفة لما عليه علماء الأمصار الأخرى، وأنه ينبغي لمثل مالك في إمامته ومنزلته أن يتحرى فيما يفتي به.
ثم عرض الليث أن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار بعد وفاة النبي ﷺ، فصار في كل مصر علم عن الصحابة الذين سكنوه، فلا يصح أن يُقال إن علم المدينة وحده هو الحجة. وذكر أن في مصر علماء من الصحابة والتابعين، وأن أهل الأمصار الأخرى يخالفون أهل المدينة في بعض المسائل، وأنهم لم يخالفوهم إلا لما بلغهم من علم الصحابة الذين نزلوا عندهم. وساق أمثلة لمسائل اختلف فيها الناس بين المدينة وغيرها.
وهذه الرسالة تدل على أدب الاختلاف بين الأئمة، فهي لم تخرج عن حدود الاحترام والتقدير، بل ابتدأها الليث بالثناء على مالك وبيان فضله. وتحتاج الرواية في تفاصيل ألفاظها إلى تدقيق، لأن المنقول عنها في الكتب يختلف قليلًا، لكن أصل الرسالة ثابت عند المؤرخين، ويذكرها العلماء في بحثهم لمسألة حجية عمل أهل المدينة.
كرمه
اشتهر الليث بالكرم الكبير. وقد ذكر المترجمون أن دخله السنوي كان كبيرًا، لكنه كان ينفقه على الناس، وأنه كان يعطي العلماء والفقراء. ومن الأخبار المشهورة أنه كان يرسل إلى المدينة بالهدايا إلى مالك. وذكر الذهبي أن مالكًا أهدى إلى الليث طبقًا من رطب، فرده الليث وقد وضع فيه ألف دينار، وهذه الرواية يذكرها بعضهم، وقد سبق التنبيه إلى أن بعض أخبار الكرم عند الأئمة يتناقلها المناقبيون دون أسانيد قوية.
علاقته بالولاة
كان الولاة في مصر يشاورون الليث. ويُروى أنه كتب إلى الخليفة في شأن بعض ولاة مصر فعُزل، وهذه الرواية يتناقلها المؤرخون، ولا أتثبت من تفاصيلها، لكنها تدل على أن مكانته جعلته مرجعًا للولاة. ويذكر ابن خلكان أن الخليفة أبا جعفر المنصور أراد أن يوليه ولاية مصر، فاعتذر، لأنه آثر البقاء على العلم، وهذا الخبر أيضًا غير محرر الإسناد.
وفاته
توفي الليث رحمه الله في منتصف شعبان سنة خمس وسبعين ومئة، ودُفن في القرافة بمصر. وذكر الذهبي أن جنازته كانت عظيمة، وأن الناس كانوا يتعازون بينهم، حتى قال أحد من حضرها فيما نقل: ما رأيت جنازة أعظم منها. وهذه الرواية مشهورة، وفيها بعض المبالغة المعتادة في وصف جنازات الأئمة. والمهم أن مصر لم تنس فضله، وبقيت سيرته مثالًا للعالم الذي جمع بين العلم والمال والخلق.
خلاصة
سيرة الليث درس في أن الإمامة في الدين لا تحتاج إلى شهرة المذهب. فهو إمام كبير لم يبق مذهبه، لكن علمه بقي في كتب الفقه والحديث، وأقواله مذكورة في كتب الخلاف عند ابن عبد البر وغيره. وقد صرح العلماء بأن من أراد معرفة الفقه المقارن فلا بد أن يرجع إلى أقوال الليث والأوزاعي والثوري، إلى جانب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد.
