هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المروزي، وُلد بمرو سنة ثمان عشرة ومئة، وكان أبوه مبارك تركيًّا، وأمه خوارزمية، على ما ذكره الذهبي. وقد اجتمع فيه من الخصال ما قلّ أن يجتمع في رجل: العلم والفقه والجهاد والتجارة والزهد والسخاء. وتوفي في هيت على الفرات سنة إحدى وثمانين ومئة وهو عائد من الغزو.
الطلب والشيوخ
طلب ابن المبارك العلم وهو في العشرين من عمره تقريبًا، فجالس علماء مرو وخراسان، ثم رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر واليمن. وسمع من أبي حنيفة وسفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد وشعبة وحماد بن سلمة وغيرهم من كبار الأئمة. وكان يقول، على ما نقله الخطيب والذهبي: لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان لكنت كسائر الناس. وهذه الكلمة مشهورة في ترجمته.
وقد أثنى عليه أئمة عصره. وقال سفيان بن عيينة: نظرتُ في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك، فما رأيت لهم فضلًا عليه إلا بصحبتهم النبي ﷺ وغزوهم معه. وهذا القول منقول عن ابن عيينة، وفيه مبالغة معروفة في كلام الأئمة المحبين، ولا يعني تفضيل أحد على الصحابة رضي الله عنهم، فإن فضل الصحبة لا يعدله شيء، وقد نبه العلماء على هذا.
التجارة والإنفاق
كان ابن المبارك تاجرًا يتاجر بين خراسان والحجاز والعراق، وكان ربحه كثيرًا، وكان ينفقه في الحج والجهاد وفي معونة طلبة العلم. ويذكر الذهبي عنه قوله ما معناه إنه لولا هؤلاء الأصحاب ما اتجر، يعني أنه يتاجر ليكفي أصحابه وطلبة العلم مؤنة المعاش.
ومن أقواله: لأن أرد درهمًا من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمئة ألف درهم. ينقل هذا القول أبو نعيم في الحلية وغيره عنه، وهو يدل على شدة ورعه.
كتبه
دوّن ابن المبارك كتبًا في الحديث والزهد والجهاد، منها «الزهد والرقائق»، و«الجهاد»، وهو من أقدم ما كُتب في الجهاد، ويرويه نعيم بن حماد وغيره. وقد وصلت إلينا هذه الكتب أو أكثرها، وتدل على نظرته إلى الزهد والجهاد بوصفهما وجهين للمسلم الصادق. وأخذ عنه أحمد وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين وغيرهم من الأئمة.
ومما يُنقل عنه عن الإسناد قوله: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وهذه الكلمة رواها مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن المبارك بسنده، وهي ثابتة عنه، وهي من أشهر ما قيل في أهمية الإسناد.
أقوال تُنسب إليه في العلم
تنسب إلى ابن المبارك أقوال في طلب العلم والتواضع، منها قوله: لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل. وقوله: من بخل بالعلم ابتُلي بإحدى ثلاث: أن يموت فيذهب علمه، أو ينساه، أو يتبع السلطان. وهذه الأقوال وردت في كتب الزهد والآداب كالحلية، ولا أجزم بأسانيدها، ومعناها صحيح في الجملة، وهي تدل على اهتمامه بتواضع العالم وبنشر العلم.
وكان يقدّر العلماء الذين سبقوه ويعرف لهم فضلهم، فقد ذكر الذهبي أنه كان يثني على شيوخه كأبي حنيفة وسفيان الثوري، ولا يغفل عن الصحابة والتابعين. وبسبب ذلك رحلت إليه الأئمة ليسمعوا منه، فالذين رووا عنه من كبار الأئمة أكثر من أن يحصروا.
الجهاد والرباط
كان يقصد الثغور للجهاد، ويقيم في الرباط، وخاصة في طرسوس. وقد كتب إلى الفضيل بن عياض، وهو مقيم في الحرم، أبياتًا يعاتبه فيها على اعتزاله الجهاد، ومنها قوله: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمتَ أنك في العبادة تلعبُ. وهذه الأبيات مروية في الحلية وغيرها، وهي مشهورة. ويذكر أن الفضيل بكى حين قرأها وقال: صدق أبو عبد الرحمن، ونصحني.
وفاته
خرج ابن المبارك للغزو في آخر عمره، وكان عائدًا فمرض في هيت، ثم توفي في رمضان سنة إحدى وثمانين ومئة وهو ابن ثلاث وستين سنة. وينقل الذهبي في السير عن مولاه نصر أنه قال عند موته: ضع خدي على التراب. فبكى نصر، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: ذكرت ما كنت فيه من العز والنعمة وأنت تموت هكذا فقيرًا غريبًا. فقال: اسكت فإني سألت الله أن يحييني حياة الأغنياء ويميتني ميتة الفقراء. ودُفن بهيت على الفرات. وفي رواية أخرى أنه ضحك عند الاحتضار وقرأ ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾. ولا أقطع بصحة هاتين الروايتين، فإنهما مما يرويه المترجمون، ولكن فيهما ما يتفق مع ما عُرف من حاله.
ثناء الأئمة
لقّبه الذهبي بشيخ الإسلام، وقال الإمام أحمد فيه ما معناه إنه لم يخلف مثله في زمانه، وقال غيره: إنه إمام المسلمين في عصره. ونقل ابن حجر أنه ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير. ومن أراد أن يعرف مكانته فليقرأ ترجمته في «تهذيب التهذيب» وفي «سير أعلام النبلاء»، فإنهما تجمعان أقوال الأئمة فيه.
عبرة السيرة
ابن المبارك دليل على أن العلم لا يتعارض مع العمل، فقد كان يطلب العلم ويجاهد في سبيل الله ويتاجر وينفق، ولم يكن طلب العلم عنده تفرغًا عن المجتمع. وهو أيضًا مثال لمن يكسب المال ليخدم به الدين، لا ليتكبر به. وبقيت كتبه في الزهد والجهاد تُقرأ إلى اليوم، فكأنه ما زال يعظ الناس بعد أن مضى إلى ربه بأكثر من اثني عشر قرنًا.
