Islamic MixIslamic Mix
‹ الأئمة والمحدثون
الأئمة والمحدثونموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

يحيى بن معين: إمام الجرح والتعديل الذي أنفق ميراثه على الحديث

الإمام يحيى بن معين رحمه الله

هو أبو زكريا يحيى بن معين بن عون الغطفاني، مولاهم، البغدادي. وُلد سنة ثمان وخمسين ومئة في قرية نقيا قرب الأنبار، وتوفي بالمدينة المنورة في ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين ومئتين وهو حاج. وكان من أئمة الجرح والتعديل، وصار مرجعًا لمن بعده في معرفة الرجال والحكم عليهم.

ميراثه الذي أنفقه

يروي الخطيب في «تاريخ بغداد» عن يحيى بن معين نفسه أن أباه كان كاتبًا لدى عبد الله بن مالك على خراج الري، وأنه خلّف له ألف ألف درهم وخمسين ألفًا، فأنفقه كله على الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسها. وهذه الرواية مشهورة في ترجمته، وفي إسنادها كلام، وبعض العلماء يرى أن الرقم فيه مبالغة، لكن المقطوع به أنه ورث مالًا وأنفقه في طلب الحديث والرحلة والكتابة.

وقد ذكر الذهبي أن ابن معين كتب بيده أعدادًا هائلة من الأحاديث، وقال هو نفسه فيما رواه عنه الخطيب: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه. وهذا الأثر ثابت عنه، وهو يوضح منهجه في جمع الطرق لمعرفة الخطأ والتصحيف.

مكانته في الجرح والتعديل

تتلمذ على ابن معين أئمة كبار، منهم أبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم، وروى عنه البخاري ومسلم. وقد اعتمد الأئمة أحكامه على الرجال، وجمعت تلاميذه أقواله في كتب كثيرة، منها «تاريخ ابن معين» برواية الدوري والدارمي وابن محرز وغيرهم. وهذه الكتب مطبوعة اليوم، وهي مصدر أساسي لمعرفة تضعيف الرجال وتوثيقهم عند أهل العلم.

وكان له اصطلاحات في الحكم، مثل قوله: ثقة، ولا بأس به، وليس بشيء. وللعلماء نقاش طويل في معنى هذه العبارات، فقد ذكر بعض العلماء أن قوله ليس بشيء قد يُراد به أن الراوي قليل الحديث، وليس بالضرورة أنه كذاب. وهذا من التفصيل الذي ينبغي معرفته عند قراءة كتب الجرح والتعديل.

وقد وصفه أحمد بن حنبل بأنه من أعلم الناس بالرجال، على ما ينقله الخطيب، وهذه الشهادة مشهورة وتدل على منزلته عند أقرانه، وإن كان إسنادها لا يخلو من نظر.

قصة الواعظ الكذاب

يتداول الناس حكاية مشهورة عن ابن معين وأحمد بن حنبل، خلاصتها أنهما صليا في مسجد الرصافة ببغداد، فقام قاص يحدّث الناس بحديث طويل في فضل التهليل، وأسنده إلى أحمد وابن معين بإسناد مصنوع. فلما فرغ سأله ابن معين عن شيخه، فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. فقال له ابن معين: أنا يحيى وهذا أحمد، وما سمعنا هذا قط، فإن كان لا بد من الكذب فعلى غيرنا. ويذكرون أن القاص أجاب جواب المستهزئ، وأن أحمد استحيا وسكت.

وهذه الحكاية ذكرها بعض أهل الأدب والتاريخ، ومنهم ابن الجوزي في كلامه عن القصاص، وبعضهم رواها بألفاظ مختلفة، ولا أقف لها على إسناد صحيح، ولذلك أنبّه على أنها حكاية مشهورة لا يثبت أصلها، ولا ينبغي أن تُبنى عليها قصة تاريخية. وقصاراها أنها تدل على ظاهرة معروفة، هي أن القصاص كانوا ينسبون الأحاديث المصنوعة إلى الأئمة، وأن الأئمة كانوا يتصدون لذلك.

أسلوبه في الحكم على الرواة

يرى العلماء أن ابن معين كان من المتشددين نسبيًّا في الجرح، وقد صنفه الذهبي مع شعبة والقطان وأبي حاتم في هذه الطبقة، فمن وثقه ابن معين فقد زادت قيمة التوثيق. وكان يقول في الراوي: لا بأس به، وقد ذكر ابن الصلاح أن مراده بها أنه ثقة. فإذا اختلف حكمه مع حكم غيره، نظر العلماء في سبب الخلاف: هل هو في الحفظ أم العدالة أم في روايته عن شيوخ معينين؟ وهذا يبين أن أحكامه ليست أحكامًا جامدة، بل هي مستندة إلى استقراء طويل لمرويات الرجال.

وكان جواب ابن معين لتلاميذه يتضمن أحيانًا تفصيلًا: فيقول مثلًا عن راوٍ إنه ثقة في فلان ضعيف في فلان، أي أن روايته عن بعض شيوخه أقوى من روايته عن غيرهم. وهذا من الدقة التي تميز بها علم العلل. وقد جمع تلاميذه أسئلتهم له في كتب سموها «سؤالات»، فسؤالات الدوري وسؤالات ابن الجنيد وسؤالات ابن محرز، وهي كتب تُقرأ اليوم لمعرفة حكمه على مئات الرواة.

المحنة

أدرك ابن معين محنة خلق القرآن. وينقل الذهبي عنه أنه قال: أجبتهم تقية، أي خوفًا. وكان رأيه في ذلك رأي من يرى جواز الإجابة عند الإكراه، بخلاف أحمد الذي ثبت. وقد قال أحمد، فيما يُروى، إنه لا يلوم أحدًا أجاب مكرهًا. ومثل هذا يدل على سعة صدور الأئمة في معالجة الخلاف.

وفاته

خرج ابن معين للحج سنة ثلاث وثلاثين ومئتين، فمات بالمدينة في ذي القعدة. ويروي الخطيب أنه غُسّل وحُمل على سرير رسول الله ﷺ، أي النعش الذي حُمل عليه الموتى في المدينة، وأن مناديًا نادى: هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله ﷺ. ودُفن بالبقيع. وهذا الخبر مشهور في كتب التراجم، وإسناده لا يخلو من مقال، فهو يُحمل على أنه من أخبار المناقب. وكان عمره خمسًا وسبعين سنة تقريبًا.

خاتمة

ابن معين أنموذج للعالم الذي ضحى بماله لطلب العلم، ولعالم نذر نفسه لحفظ السنة من الكذب. وفي سيرته درس في الأمانة في الحكم على الناس، فلا يُظلم أحد ولا يُحابى أحد. وقد نبّه العلماء إلى أنه كان شديدًا في الجرح أحيانًا، وأن أحكامه تحتاج إلى مقارنة بأحكام غيره، وهذا من عدل المنهج.

العبرة

إنفاق المال في خدمة العلم والتحري في الحكم على الناس أمانة، والنقد العلمي يحفظ الدين من الكذب. والإنصاف في الجرح والتعديل يقتضي مقارنة أقوال الأئمة.

المصدر: الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد (ترجمة يحيى بن معين)؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء؛ ابن حجر: تهذيب التهذيب؛ تاريخ ابن معين برواية الدوري.

الدرجة: ثابت منها نسبه ووفاته بالمدينة سنة 233هـ ومكانته في الجرح والتعديل وقوله: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه؛ أما رقم ميراثه وحمله على سرير النبي ﷺ وإجابته في المحنة تقية فمن مرويات التراجم بأسانيد فيها نظر، وقصة القاص الكذاب لا أقف على إسناد صحيح لها، وقد نُبّه على ذلك في النص.