هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر السعدي، مولاهم، المعروف بابن المديني. وُلد في البصرة سنة إحدى وستين ومئة، ونسبته إلى المدينة، قيل لأن أصل أهله منها. وتوفي بسامراء في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومئتين. وكان أبوه عبد الله بن جعفر من المحدثين، ولكنه ضعيف عند العلماء، وقد روى عنه ابنه أحاديث، وقال ابن المديني: أبي ضعيف الحديث، كما حكى الذهبي. وهذه من أمانة الإمام العلمية، إذ لم يمنعه مقام أبيه أن يقول الحق فيه.
مكانته في الحديث والعلل
أخذ علي بن المديني عن عدد كبير من الشيوخ، منهم حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم. وقد نبغ في علم العلل ومعرفة الرجال حتى صار يُقال إنه أعلم أهل زمانه بالعلل. وقال عبد الرحمن بن مهدي، فيما رواه الذهبي: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ خاصة وبحديث ابن عيينة عامة. وهذا قول مشهور.
وقد روى عنه البخاري كثيرًا، حتى قال البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني. نقل ذلك ابن حجر في «هدي الساري»، وهي عبارة تعبر عن تقدير البخاري لشيخه ومكانة هذا الإمام في التقويم والنقد. وكان ابن المديني يصنف في الرجال والعلل والطبقات، وله كتاب «العلل» الذي لم يصلنا كاملًا، وهو مرجع للأئمة من بعده في معرفة الأسانيد المعلولة.
ابن المديني والمحنة
حين اشتدت محنة خلق القرآن، دُعي ابن المديني إلى القول بخلق القرآن، فأجاب. ويذكر الذهبي أنه فعل ذلك خوفًا، وأن الإمام أحمد لم يرضَ عنه في ذلك. فقد ذكر الذهبي وغيره أن أحمد ترك الرواية عنه بعد ذلك. وبعض العلماء قال إن أحمد كان يعذره من حيث الإكراه، لكنه كان يرى أن الثبات أولى، وأن العالم يحمل الناس على ما يفعل.
وقد أنصف العلماء ابن المديني، فقالوا إن إجابته كانت تقية وإنه رجع عنها، ولم يُتهم بالبدعة، وأخرج له البخاري. بل قال بعضهم إن البخاري، وهو تلميذ ابن المديني، كان يرى أن علمه وفضله لا يضرهما ما صنعه تحت التهديد. وما ذُكر من تفاصيل إجابته وندمه لا أحرره، ولكن الأمر الثابت أنه أجاب تحت الضغط، وأن أحمد أعرض عن الرواية عنه، وأن الأمة بعد ذلك أنصفت علمه.
الأسانيد التي يدور عليها الحديث
ينقل العلماء عن ابن المديني أنه استقرأ الأسانيد فوجد مدارها على ستة من التابعين، لكل مصر منهم اثنان: في الحجاز الزهري وعمرو بن دينار، وفي البصرة قتادة ويحيى بن أبي كثير، وفي الكوفة أبو إسحاق السبيعي والأعمش، ثم انتهى علم هؤلاء إلى من بعدهم من الأئمة. وهذه المقولة نقلها الذهبي وابن حجر وغيرهما، وهي من أشهر ما يُروى عنه في تاريخ الإسناد، والمراد بها بيان أصول الأسانيد لا حصر الحديث فيهم.
وقد ألّف في علوم الحديث كتبًا كثيرة، منها «العلل»، و«الطبقات»، و«تسمية من روى عن النبي ﷺ من الصحابة»، و«الأسامي والكنى»، وغيرها، وكلها مما نقله عنه تلاميذه أو أشار إليه العلماء في ثبت كتبه. وهو المؤسس لكثير من الفنون التي بنى عليها الخطيب البغدادي ومن بعده. وكان من تلاميذه البخاري وأبو داود ويعقوب بن شيبة وغيرهم.
جمع الطرق لكشف الخطأ
ومن أشهر ما يُروى عنه في منهج العلل قوله: الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه. ذكره الخطيب البغدادي في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» وغيره، وهو يلخص منهج المحدثين في النقد. ومعناه أن الحديث الواحد قد يرويه عدد من الرواة، فإذا جُمعت رواياتهم ووُضعت جنبًا إلى جنب ظهر من أخطأ منهم ومن أصاب، أما إذا اكتُفي بطريق واحد فقد يبقى الخطأ خفيًّا. وبهذا المنهج بنى الأئمة بعده، كالبخاري وأبي حاتم والدارقطني، كتبهم في العلل.
الثناء على أحمد
ومن المفارقات الجميلة أن أشهر عبارة تمدح ثبات أحمد في المحنة تنسب إلى ابن المديني نفسه، وهي قوله: أعز الله الدين برجلين ليس لهما ثالث: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة. ذكرها الخطيب البغدادي وغيره عنه، وهي مشهورة. وفيها دلالة على أن ابن المديني لم يحمل في نفسه تجاه الإمام أحمد شيئًا، وأنه كان يعرف فضل الثبات مع أنه لم يستطعه، وأن المرء قد يعترف بفضل غيره وهو يعرف نقصه. وهذه الرواية قد يُناقش في سندها، وأرى أن تُنقل على أنها مشهورة عنه.
علاقته بأحمد
كان بين ابن المديني وأحمد صلة قوية في الحديث، وكان أحمد يأخذ عنه ويثني عليه. وجاء عن أحمد ما يدل على احترامه له قبل المحنة. فلما وقعت المحنة تغير الموقف في الرواية، لكنه لم يتغير في الاعتراف بعلمه. وفي هذا درس في الفرق بين الحكم على الشخص والحكم على علمه، فالعلماء ميزوا بين من أجاب مكرهًا ومن دعا إلى البدعة.
وفاته
ظل ابن المديني حتى آخر عمره يحدث ويروي، وتوفي بسامراء سنة أربع وثلاثين ومئتين، وعمره ثلاث وسبعون سنة.
خلاصة
ابن المديني أحد أعمدة علم الحديث، لا يستغني عنه أحد من بعده. وسيرته تبين أن العلم والفضل لا يقتضيان العصمة، وأن الإنسان قد يخطئ تحت الإكراه، وأن الأمانة تقتضي أن نقدر علمه كما نقدر ثبات غيره. وفي أخباره عبرة أيضًا في الأمانة في الحكم على أبيه، فلم يجامل في دين الله.
