هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، مولاهم، الواسطي ثم البصري. وُلد بواسط سنة اثنتين وثمانين للهجرة، وسكن البصرة وبها توفي سنة ستين ومئة على المشهور. وهو من كبار أئمة الحديث في القرن الثاني، وقد وصفه الحافظ ابن حجر في «التقريب» بأنه ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول فيه: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذبّ عن السنة.
طلبه للحديث
سمع شعبة من عدد كبير من التابعين، فروى عن قتادة، وأبي إسحاق السبيعي، وعمرو بن مرة، والحكم بن عتيبة، وسليمان الأعمش، وثابت البناني، وغيرهم. وكان ينزل البصرة، وهي يومئذ مركز كبير للحديث والفقه والزهد. وروى عنه جمع من الأئمة الكبار، منهم يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري، ومحمد بن جعفر الملقب غندر. وهؤلاء حملوا علمه إلى الأمصار.
الشدة في الرواية
اشتهر شعبة بشدة التحري في الرواة، وكان يسأل عن الراوي ويفتش عن حاله قبل أن يأخذ عنه. وتنقل كتب علوم الحديث عنه عبارات في ذلك، منها قوله: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس. وقوله أيضًا: التدليس أخو الكذب. نقل هذين القولين الخطيب البغدادي في «الكفاية» وغيره، وهما من أشهر ما يُروى عنه في ذم التدليس. والتدليس عند المحدثين أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، أو يسقط شيخه ويرويه بصيغة توهم السماع.
ويُروى عنه أيضًا: كل حديث ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو خل وبقل. أي ليس له قيمة. وهذه العبارة نقلها الخطيب وغيره، وهي تنسب إليه، ولا يخلو إسنادها من نظر. وهي تدل على اهتمامه بالتصريح بالسماع.
وكان يتشدد في الجرح أحيانًا، وبسبب ذلك ضعّف بعض الرواة الذين وثقهم غيره. فمن النقاد من قال إن في تضعيف شعبة بعض التشدد، وينبغي أن يُقارن بقول غيره. وهذا من الأدب العلمي في النقد.
كفاية تدليس ثلاثة
ومما يُنقل عنه في تطبيق هذا المنهج قوله: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وأبي إسحاق وقتادة. أي أنه كان يتتبع أحاديثهم ويسأل عن سماعهم، فيعرف ما صرحوا فيه بالسماع مما لم يصرحوا به. وقد ذكر هذه العبارة ابن رجب وابن حجر وغيرهما، وهي من أشهر ما يُروى عن شعبة في التدليس. ويفهم منها أن شعبة كان بمثابة مصفاة للأسانيد، فمن روى عن هؤلاء الثلاثة من طريق شعبة فهو مأمون من التدليس. وهذا هو السبب في أن الأئمة يقدمون رواية شعبة عن قتادة وأبي إسحاق على غيرها.
وقد ذكر العلماء أن شعبة كان يسأل شيوخه عن صيغة الأداء، فإن قال الشيخ: حدثنا، فهذا تصريح بالسماع، وإن قال: عن فلان، سأل هل سمعته منه. وكان يتتبع مواضع الخلل في الأسانيد، فيعيد السؤال حتى يطمئن. وهذه الدقة هي التي جعلت الأئمة يرجعون إلى حديثه ويعدونه حجة في الباب.
البصرة في زمنه
كانت البصرة في ذلك الوقت مدينة علم عظيمة، فيها الحسن البصري ومحمد بن سيرين من قبل، ثم قتادة وغيره، وفيها حلقات الحديث والتفسير والزهد، وفيها مساجد يجتمع فيها الطلبة. وفي هذه البيئة نشأ شعبة، وانتقل بين مجالس الأئمة. وكان يخرج إلى بعض الأمصار لسماع الحديث، ثم يعود إلى البصرة. ولما تولى تلاميذه التعليم بعده، كان لهم أثر كبير في انتشار علمه إلى بغداد والكوفة وخراسان.
تلاميذه النقاد
خرّج شعبة جيلًا من النقاد، فمن تلاميذه يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وهما إماما الجرح والتعديل بعده. وقد أخذا عنه منهجه في تتبع الرجال والتحري في الرواية. ثم أخذ عن هذين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني، فيمكن القول إن علم الجرح والتعديل في العراق مرّ بسلسلة تبدأ من شعبة ثم القطان وابن مهدي ثم أحمد وابن معين وابن المديني ثم البخاري ومن بعده. وهذا ما يذكره العلماء في تاريخ علوم الحديث.
علاقته بالثوري
كان شعبة والثوري من أقران الحديث، وكان بينهما احترام متبادل. وقد وصفه الثوري بأنه أمير المؤمنين في الحديث، كما تقدم. وروى كل منهما عن الآخر. وجاء في الروايات أن الثوري قال: شعبة أحفظ مني، وقد سبق ذكره. وهذه الأقوال تدل على منزلة الرجلين، وعلى ما كان بين الأئمة من التواضع.
وفاته
توفي شعبة بالبصرة سنة ستين ومئة على المشهور، وعمره ثمان وسبعون سنة. ولم تذكر المصادر عنه محنة ولا سجنًا، وإنما اشتهر بالحديث والنقد. وقد ذكر الذهبي في «السير» ترجمة طويلة له، فيها أقوال الأئمة وأخباره.
أثر منهجه
كان شعبة في زمانه حارسًا لباب الرواية، فمنع الكذابين والمدلسين من الدخول إلى الحديث. وبفضله ومن بعده من الأئمة بقيت أحاديث النبي ﷺ محفوظة بأسانيدها. ومن هنا نفهم أهمية علم الجرح والتعديل، فهو ليس غيبة محرمة، كما قال العلماء، بل هو نصيحة للأمة وحفظ للدين. وقد دافع العلماء عن هذا العلم بقولهم إن الأنبياء لا يحتاجون إلى جرح، لكن الرواة بشر يخطئون وقد يكذبون، فكان لا بد من تمييز الثقات من غيرهم.
وفي سيرة شعبة عبرة لنا اليوم في زمن الأخبار المتدفقة: أن نتحرى قبل أن ننقل، وأن نسأل عن مصدر الخبر قبل أن نرويه.
