في البصرة، في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، ظهر جيل من النقاد حمل عن شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري منهج التفتيش عن الرجال، وكان على رأس هذا الجيل رجلان: يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي. وقد جمعتهما البصرة والحديث والنقد، وجمعتهما الوفاة في عام واحد هو سنة ثمان وتسعين ومئة، كما ذكر الذهبي في «سير أعلام النبلاء».
يحيى بن سعيد القطان
هو أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ التميمي، مولاهم، البصري. وُلد سنة عشرين ومئة، وسمع من هشام بن عروة وسليمان التيمي وشعبة وسفيان الثوري وعدد كبير من الشيوخ. وقال فيه الحافظ ابن حجر في «التقريب»: ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار التاسعة. وأثنى عليه الإمام أحمد ثناءً بالغًا، ومما ينقله الذهبي عنه قوله: ما رأت عيناي مثل يحيى بن سعيد القطان. وهذه الكلمة مشهورة في ترجمته، وهي تدل على مكانته عند أحمد.
وقد اشتهر القطان بالتثبت والتشدد في قبول الرجال، حتى إن العلماء يعدونه من المتشددين في هذا الباب، فكان لا يحدث عن كل من يلقاه، وإنما ينتقي، وقد ضعف بعض الرواة الذين حدث عنهم غيره. وروى عنه خلق كثير، منهم أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه، وكلهم أخذوا عنه الحديث والنقد جميعًا.
عبد الرحمن بن مهدي
وهو أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، مولاهم، البصري. وُلد سنة خمس وثلاثين ومئة، وسمع من شعبة والثوري ومالك بن أنس وحماد بن سلمة وغيرهم، وصار من أكبر الحفاظ ومن أعلم الناس بالرجال والعلل. وذكره ابن حجر في التقريب بأنه ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث. ويُروى عنه قوله في أهمية معرفة العلل: لأن أعرف علة حديث هو عندي أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثًا ليس عندي. رواها الحاكم في «معرفة علوم الحديث» وابن أبي حاتم في مقدمة «الجرح والتعديل»، وهي مشهورة عنه.
ويُنقل عنه كذلك قوله إن الأئمة في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة. وهذا القول ينقله الذهبي،
طلب الشافعي لكتاب الرسالة
ومما يذكره العلماء لابن مهدي أنه كتب إلى الإمام الشافعي، وهو في مكة، يطلب منه أن يضع له كتابًا في أصول الفقه يجمع فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار وحجة الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ، فكتب له الشافعي كتاب «الرسالة». وهذه القصة ذكرها ابن أبي حاتم في كتابه «آداب الشافعي ومناقبه» والبيهقي وغيرهما، ولا يعني ذلك أنها خالية من الاختلاف في بعض تفاصيلها، لكن أصلها مشهور. وفيها دلالة على مكانة ابن مهدي، فقد كان الإمام الشافعي يعرف فضله ويلبي طلبه.
منهجهما في الجرح والتعديل
اتبع القطان وابن مهدي منهج شعبة والثوري في تفتيش الرجال، فكانا يسألان عن حفظ الراوي وعدالته وعن صحة سماعه من شيخه. وكان بينهما اختلاف في بعض الأحكام على الرواة، فالقطان أشد، وابن مهدي أقل تشددًا في بعض المواضع. ويذكر العلماء أنهما إذا اتفقا على جرح راو أو تعديله كان ذلك قولًا ثقيلًا في نظرهم، وإذا اختلفا نظروا في المسألة وقارنوا بأقوال غيرهم. وأخذ عنهما أحمد وابن معين وابن المديني هذا العلم، ثم صارت أحكامهم هم أنفسهم مرجعًا لمن بعدهم، فالسلسلة متصلة: شعبة والثوري، ثم القطان وابن مهدي، ثم أحمد وابن معين وابن المديني، ثم البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم.
لماذا لا يكفي الصلاح في الراوي؟
من الأقوال المنقولة عن يحيى القطان في مقدمة صحيح مسلم قوله: لم نرَ الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث. وقد شرح مسلم مراده بأنه يجري الكذب على ألسنتهم ولا يتعمدونه، أي أنهم يخطئون ويشتبه عليهم ما يروون ولا ينتبهون لذلك. وهذه العبارة تكشف سبب تدقيق النقاد: فهم لم يكتفوا بصلاح الراوي وتقواه، بل نظروا في ضبطه وحفظه وكتابه، لأن الخطأ يقع من الصالح كما يقع من غيره. وهذا هو الفرق بين العدالة والضبط عند المحدثين، فالعدالة تتعلق بالدين والأمانة، والضبط يتعلق بالحفظ والإتقان، ولا يكفي أحدهما عن الآخر في قبول الرواية.
وكانت البصرة في ذلك العصر مجمعًا للحفاظ، منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة، ومنها خرج كثير ممن نقلوا علم الجرح والتعديل إلى بغداد. ويذكر بعض الباحثين أن التفتيش عن الرجال نشأ في البصرة قبل غيرها من الأمصار.
وفاتهما
توفي القطان في صفر سنة ثمان وتسعين ومئة بالبصرة، وعمره ثمان وسبعون سنة. وتوفي ابن مهدي في جمادى الآخرة من العام نفسه، وعمره ثلاث وستون سنة، على ما ذكره الذهبي. وقد ذكر المترجمون أن العلماء شعروا بفقد الاثنين في سنة واحدة، فكانت سنة ثمان وتسعين ومئة سنة وفاة كبار: سفيان بن عيينة وجماعة آخرين أيضًا، وهي من السنوات التي فُقد فيها عدد كبير من الأئمة.
وجه العبرة
هاتان السيرتان تعلمان أن حفظ الدين بالأسانيد لم يكن أمرًا يسيرًا، بل قام به رجال أفنوا أعمارهم في السؤال والتفتيش، وأن علم الجرح والتعديل ثمرة جهد جماعي متصل بين الأجيال. وهما مثال على التعاون بين العلماء مع اختلاف مزاجهم العلمي، فبعضهم أشد وبعضهم أرفق، وكل منهم يكمل الآخر. وفي المقابل نبّه العلماء إلى ضرورة النظر في كلام كل ناقد في ضوء كلام غيره، حتى لا نبني الحكم على قول واحد من المتشددين أو من المتساهلين.
