كانت مدينة الري، وهي قرب طهران اليوم، من المدن الكبيرة في بلاد فارس، ومنها خرج في القرن الثالث الهجري حافظان من كبار نقاد الحديث: أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، وأبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي. وقد اقترن اسماهما في كتب الجرح والتعديل حتى صار يُقال: قال أبو زرعة وأبو حاتم. وتوفي أبو زرعة سنة أربع وستين ومئتين، وتوفي أبو حاتم سنة سبع وسبعين ومئتين، وكلاهما بالري.
الرحلة والحفظ
رحل أبو حاتم في طلب الحديث رحلات طويلة. وينقل ابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم في «تقدمة الجرح والتعديل» عن أبيه أنه قال إنه خرج في أول رحلته سبع سنين، وإنه أحصى ما مشى على قدميه فبلغ أكثر من ألف فرسخ، ثم ترك العدّ بعد ذلك. وهذه رواية مشهورة، وهي تدل على أنه كان يمشي لطلب الحديث، وكان ذلك شأن طلبة العلم في ذلك العصر. وقد زار البصرة والكوفة وبغداد ومكة والمدينة ومصر والشام.
وأما أبو زرعة فقد اشتهر بقوة الحفظ. ينقل الخطيب البغدادي والذهبي عنه قوله إنه يحفظ مئتي ألف حديث كما يحفظ الإنسان قل هو الله أحد، وإنه يحفظ في المذاكرة ثلاث مئة ألف حديث. وتختلف الروايات في الأرقام، فبعضها يذكر مئة ألف، وهذه الأرقام يُراد بها أحاديثه بطرقها المتعددة لا متونًا مستقلة. وأثنى عليه الأئمة ثناءً كبيرًا، وقال بعضهم إنه ما رأى أحفظ منه.
منهج كل منهما في الحكم
كان أبو حاتم متشددًا في الجرح والتعديل، وقد قال الذهبي في ترجمته ما معناه: إذا وثّق أبو حاتم رجلًا فتمسك به، فإنه لا يوثق إلا رجلًا صحيح الحديث، وإذا ليّن رجلًا أو قال فيه: لا يحتج به، فتوقف حتى ترى ما قال غيره فيه، فإن وثقه أحد فلا تبنِ على تجريح أبي حاتم، فإنه متعنت في الرجال. وهذه خلاصة ما ذكره الذهبي في السير، وهي وصف دقيق لمنهج أبي حاتم، ولا تنقص من مكانته.
وأما أبو زرعة فكان في الجملة أقل تشددًا من أبي حاتم على ما يذكر العلماء. وتروي كتب العلل أن ابن أبي حاتم كان يسأل أباه وأبا زرعة عن الأحاديث، فيجيبان، وغالبًا ما يتفق قولهما. وجمع ذلك في كتابه «العلل»، وفيه يقول: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان. وهو كتاب عظيم في العلل، وفيه ثروة من أحكام الإمامين على الأحاديث.
مراتب التعديل عند ابن أبي حاتم
نقل ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه «الجرح والتعديل» عن أبيه وأبي زرعة منهجهما في ألفاظ التعديل، فذكر أن الراوي إذا قيل فيه إنه ثقة أو متقن فهو ممن يُحتج بحديثه، وإذا قيل فيه صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به فهو ممن يُكتب حديثه وينظر فيه، وإذا قيل شيخ فهو بالمنزلة الثالثة يُكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية، وإذا قيل صالح الحديث فإنه يُكتب حديثه للاعتبار. وهذا التقسيم من أقدم ما دُوّن في مراتب الجرح والتعديل، وقد بنى عليه العلماء بعده، كابن الصلاح والذهبي وابن حجر. وهو يوضح أن العلماء لم يكونوا يطلقون الأحكام جزافًا، بل كان لكل لفظ معنى محدد عندهم.
انتقاد أبي زرعة لبعض مرويات صحيح مسلم
وردت في «سؤالات البرذعي لأبي زرعة» عبارات تنتقد فيها أبو زرعة صحيح مسلم، فذكر أن مسلمًا أخرج لبعض الرواة الذين لا يحتج بهم، كأسباط بن نصر وقطن بن نصير وأحمد بن عيسى المصري. ويُروى أن مسلمًا لما بلغه ذلك ردّ بأنه لم يخرج إلا ما صح عنده من حديث هؤلاء من طريق مأمون. وهذه المسألة معروفة في كتب علوم الحديث، وقد أجاب العلماء عنها بأن مسلمًا لم يخرج لهم إلا في المتابعات أو فيما ثبت من حديثهم، وأن النقد هنا اختلاف في الاجتهاد لا طعن في الإمامين.
وفاة أبي زرعة
أشهر ما يُذكر في سيرة أبي زرعة قصة وفاته، وقد رواها ابن أبي حاتم في «تقدمة الجرح والتعديل»، ونقلها عنه الذهبي وابن كثير. فقد روي أنه لما حضرته الوفاة كان عنده أبو حاتم ومحمد بن مسلم بن وارة والمنذر بن شاذان وجماعة من العلماء. فأرادوا أن يلقنوه الشهادة، فاستحيوا منه. فقالوا: نذكر حديث التلقين. فبدأ بعضهم بإسناد الحديث ثم توقف، وبدأ آخر بإسناد آخر فلم يتمه، وكان أبو زرعة في غشيته، فقال وهو يحتضر: حدثنا بندار، حدثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». وبلغ إلى هذا الموضع فتوفي رحمه الله.
والحديث الذي أُريد منه التلقين هو حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، رواه أبو داود وغيره، وصححه الحاكم والألباني. وأما القصة، فهي من أشهر ما يُروى في كرامات أهل الحديث، وإسنادها عند ابن أبي حاتم يحتاج إلى نظر، ولذلك فهي تذكر على أنها مروية لا مقطوع بها. والمراد أن هذين الإمامين أمضيا حياتهما في الإسناد حتى كان آخر ما قالا إسنادًا.
وفاة أبي حاتم وأثره
عاش أبو حاتم بعد صاحبه ثلاث عشرة سنة، وبقي يحدث ويعلم، وتخرج عليه ابنه عبد الرحمن، الذي ألّف «الجرح والتعديل» و«العلل» و«التفسير»، وحمل علم أبيه وعلم أبي زرعة إلى الأجيال. وهكذا اتصل نقد الرجال في الري بنقده في البصرة وبغداد.
عبرة السيرة
في سيرة الرازيين درس في التعاون بين العلماء من غير حسد، فقد عاش الاثنان في بلد واحد وفي زمن واحد وبينهما صداقة ومشاركة في العلم، ولم يمنعهما كثرة ما حفظا من التواضع. وفيها أيضًا درس في نقد العلماء بعضهم بعضًا بالحجة، دون أن يقدح ذلك في مكانتهم.
