هو أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري، وُلد سنة ثلاث وعشرين ومئتين في نيسابور، وتوفي فيها في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاث مئة، وعمره نحو ثمان وثمانين سنة. وقد لُقّب بإمام الأئمة لعلو منزلته في الحديث والفقه، ولقبه به العلماء كالذهبي وغيره، وهو من كبار الشافعية في الفقه.
شيوخه وطلبه
سمع ابن خزيمة من إسحاق بن راهويه ومحمد بن يحيى الذهلي ومحمود بن غيلان وأحمد بن منيع وعدد كبير من أهل نيسابور وغيرها. ولقي البخاري ومسلمًا، وأخذ عنهما في بعض الأحيان. وقد أثنى على البخاري ثناءً عظيمًا، فنُقل عنه أنه قال: ما تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل. نقل ذلك الذهبي وابن حجر، وهي عبارة مشهورة تدل على تقديره للبخاري.
ورحل في طلب العلم إلى مرو والري والعراق والشام ومصر، وكان فقيهًا بالحديث، حتى قيل إنه كان يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارئ السورة. وهذا الوصف ينقله الحاكم وغيره عن بعض من شهدوا له، وهو من الثناء على قوة حفظه واستحضاره للأدلة.
قصة زمزم
يروي الذهبي في «سير أعلام النبلاء» عن الحاكم أن ابن خزيمة سُئل: من أين أوتيت هذا العلم؟ فقال: قال النبي ﷺ: «ماء زمزم لما شرب له»، وإني لما شربت ماء زمزم سألت الله علمًا نافعًا. وهذه القصة مشهورة، وفي صلتها بالحديث تنبيه واجب. فإن حديث «ماء زمزم لما شرب له» رواه ابن ماجه من حديث جابر رضي الله عنه، وقد اختلف العلماء في ثبوته، فمنهم من حسّنه أو صححه بمجموع طرقه كالحافظ ابن حجر والألباني، ومنهم من ضعّفه. فمن أراد الاستدلال به فليراجع كلام أهل العلم فيه.
ثناء ابن حبان
وممن أثنى عليه ابن حبان البستي، فقد نقل الذهبي عنه قوله ما معناه إنه لم يرَ على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن ويحفظ الصحاح بألفاظها وزياداتها كأنه كانت السنن بين عينيه غير محمد بن إسحاق بن خزيمة. وهذا الثناء مشهور عن ابن حبان، ومن أهمية ذلك أن ابن حبان نفسه صاحب كتاب «الصحيح» المعروف، فشهادته له شهادة من أهل الصنعة. وقد ذُكر أن ابن خزيمة رحل إلى مصر في طلب العلم فسمع من بعض أصحاب الشافعي، ومن هنا ارتبط بالمذهب الشافعي فقهًا.
عنايته بالتراجم والأسانيد
نشأ ابن خزيمة في نيسابور، وكانت يومئذ مركزًا كبيرًا للحديث والفقه في خراسان، تحت حكم الدولة السامانية. وكان بها علماء كثيرون، فتتلمذ على بعضهم وأخذ منهم، واستفاد من أجواء الحوار العلمي في مجالسهم. وقد دوّن ابن خزيمة في كتابه الصحيح الأحاديث على أبواب الفقه، ووضع لها تراجم مفصلة تدل على فقهه، مثل أن يترجم بباب كذا وكذا إن صح الخبر. وهذه العبارة، إن صح الخبر، تتكرر في تراجمه حين يتوقف في ثبوت الحديث، وهي تدل على أن الكتاب لا يخلو من أحاديث تردد هو نفسه في صحتها. فلا يُقال إن كل ما فيه صحيح بإطلاق، ولكن شرطه عند أهل العلم من أقوى الشروط بعد الصحيحين.
مصنفاته
صنّف ابن خزيمة كتبًا كثيرة، أشهرها كتابه «صحيح ابن خزيمة» المسمى «المختصر من المختصر من المسند الصحيح عن النبي ﷺ»، وقد التزم فيه الصحة، لكنه لم يصلنا كاملًا، وصل منه جزء كبير. وقد اشترط فيه شروطًا في الأسانيد، وتتبعه العلماء بالتحقيق، فمنهم من رأى أنه متشدد في الصحة ومنهم من رأى أنه ربما سكت عن ضعيف. وله كذلك كتاب «التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل»، وهو كتاب مهم في العقيدة على طريقة أهل الحديث.
وقد انتقد بعض العلماء ابن خزيمة في مسائل الصفات، ورأوا أن في كتاب التوحيد عبارات تُوهم التشبيه، وأجاب آخرون بأنه من أهل السنة وأنه لم يقصد التشبيه. وهذه مسألة بحثها الذهبي وغيره، والأمانة العلمية تقتضي أن نقول إنها محل نظر عند بعض العلماء، وأن الرجل مشهود له بالإمامة والورع.
ثناء العلماء عليه
أثنى على ابن خزيمة معاصروه ومن بعدهم. ووصفه الذهبي في مطلع ترجمته بأنه الإمام الحافظ الحجة الفقيه شيخ الإسلام إمام الأئمة. وهذه الأوصاف من ثناء المترجمين عليه، وهي تعبر عن مكانته عند أهل العلم.
ومما يُنقل عنه من الأدب أنه كان متواضعًا يعترف للسابقين، وأنه كان يتحاشى الإفتاء بما لا يعلم. وهذا الخلق من أخلاق أهل العلم الكبار، وإن كان في إسناده الخبر ما يحتاج إلى نظر.
وفاته
توفي ابن خزيمة سنة إحدى عشرة وثلاث مئة في نيسابور. وذكر الحاكم أنه دُفن في داره، وأن الدار صارت بعد ذلك مقبرة يُزار فيها. ولا أجزم بتفصيل ذلك. وقد ترك أثرًا كبيرًا في نيسابور، فتخرج عليه علماء كثيرون في الحديث والفقه، منهم أبو علي النيسابوري وأبو بكر الصبغي وأبو عمرو الحيري وغيرهم.
عبرة السيرة
سيرة ابن خزيمة تبيّن أن العلم يطلب بالدعاء والعمل معًا، وأن الاحتجاج بالأحاديث في الفضائل ينبغي أن يكون بعد التثبت من درجتها. وفيها أيضًا أن العلماء يختلفون في مسائل العقيدة والفقه، وأن الواجب أن نذكر لكل منهم فضله ونتحرى في نقل أخطائه.
