كتاب إلى النجاشي
بقي المهاجرون إلى الحبشة سنين طويلة تحت حماية النجاشي، بينما كانت الدعوة قد انتقلت إلى المدينة وقامت للإسلام دولة. ثم بعد صلح الحديبية بعث النبي ﷺ بكتب إلى الملوك يدعوهم إلى الله، وقد روى مسلم عن أنس رضي الله عنه أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وقال أنس: وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ. أي أن هذا الكتاب كان إلى ملك حبشي آخر خلف النجاشي أصحمة الذي أسلم ومات في زمان النبي ﷺ. وهذه فائدة مهمة في التفريق بين النجاشيين، فلفظ النجاشي لقب لكل ملك حبشي كما أن كسرى لقب لملوك الفرس وقيصر لملوك الروم.
أما الكتاب الذي بعثه النبي ﷺ إلى النجاشي أصحمة مع عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه، ففيه أنه دعاه إلى الإسلام وأمره أن يزوّجه أم حبيبة وأن يجهز من عنده من المسلمين ويحملهم إلى المدينة. وقد ذكر ابن سعد وغيره من أهل السير نصوصًا لهذا الكتاب وجواب النجاشي عليه، ولكنها بأسانيد فيها مقال، فنذكر المعنى دون الجزم بالألفاظ.
أم حبيبة وعقد النجاشي
أما أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها فكانت قد هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، فذكر أهل السير أن عبيد الله تنصّر هناك ومات على ذلك، وبقيت أم حبيبة على إسلامها صابرة في غربتها. وروى أبو داود والنسائي أن النبي ﷺ تزوجها وهي بأرض الحبشة، وأن النجاشي هو الذي زوّجها إياه، وأصدقها عنه أربعمئة دينار (أربعة آلاف درهم في بعض الروايات)، وجهّزها وبعثها مع شرحبيل بن حسنة إلى المدينة. وقد صح في صحيح مسلم أن أبا سفيان بعد إسلامه طلب من النبي ﷺ أن يزوجه ابنته أم حبيبة، وهو الحديث الذي طرح فيه مسلم هذه المسألة في فضائل أبي سفيان، وبيّن العلماء أن الجمع بين الروايتين أن العقد كان في الحبشة، وأن طلب أبي سفيان وقع بعد ذلك إما وهمًا من بعض الرواة أو أنه أراد تجديد الصلة. فهذه مسألة اختلف فيها العلماء، وأشار إليها الحافظ ابن حجر.
وصول جعفر وأصحابه
وتتابع رجوع المهاجرين، فمنهم من رجع قبل بدر، ومنهم من بقي مع جعفر بن أبي طالب حتى قدموا على النبي ﷺ في السنة السابعة وهو بخيبر. وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه خرج هو وجماعة من قومه من اليمن مهاجرين إلى النبي ﷺ، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا جعفر بن أبي طالب فأقاموا معه حتى قدموا جميعًا على النبي ﷺ حين افتتح خيبر، وكان بعض الناس يقولون لأهل السفينة: سبقناكم بالهجرة.
وقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى أن أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم مع جعفر، دخلت على حفصة زوج النبي ﷺ وكانت قد هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم. قال: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم. فغضبت وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في دار، أو في أرض، البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله ﷺ، وايم الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبي ﷺ وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه.
هجرتان
فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا. قال: «فما قلتِ له؟» قالت: قلت له كذا وكذا. قال: «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان». قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالًا يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ. وهذا الحديث من أصح ما ورد في الباب، وفيه بيان فضل المهاجرين إلى الحبشة وأنهم نالوا فضل الهجرتين: هجرتهم إلى الحبشة وهجرتهم إلى المدينة.
فرح بقدوم جعفر
وأما خبر استقبال النبي ﷺ لجعفر فقد رُوي أنه قال: «ما أدري بأيهما أنا أفرح: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر». وهذه الرواية جاءت من طرق متعددة فيها مقال، فلا يُجزم بصحتها بلفظها، وإن كانت مشهورة في كتب السير والتراجم. ومن المتفق عليه أن جعفر بن أبي طالب قدم والنبي ﷺ بخيبر، وأنه استُشهد بعد ذلك بأشهر في غزوة مؤتة سنة ثمان، وأن النبي ﷺ نعاه وقال في الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عمر في سياق خبر مؤتة إنه وُجد في جسده بضع وتسعون ما بين طعنة ورمية.
وفاة النجاشي
وفي رجب سنة تسع، على ما ذكره بعض أهل السير، مات النجاشي أصحمة رضي الله عنه، فنعاه النبي ﷺ في اليوم الذي مات فيه وخرج بأصحابه إلى المصلى، فصفّ بهم وكبّر أربعًا، كما في الصحيحين عن أبي هريرة وجابر رضي الله عنهما. قال العلماء: وفي الحديث ما يدل على فضل النجاشي وعلى ثبوت إسلامه، وعلى مشروعية الصلاة على الغائب في بعض الأحوال.
خلاصة الدرس
انتقل المسلمون من مكة إلى الحبشة ثم من الحبشة إلى المدينة، وحفظ الله بين هاتين الهجرتين أهل الإيمان. وأقام في الحبشة من يخاف على دينه عند ملك عادل، ثم لما قامت للإسلام دولة عادوا إليها. فالهجرة لم تكن هروبًا من الأذى فقط، بل حفظًا للدين، وطلبًا لأرض يجتمع فيها أهل الإيمان.
