من هو مصعب
كان مصعب بن عمير رضي الله عنه من فتيان قريش المترفين، وقد أسلم في مكة ولقي من أهله أذى شديدًا، ثم هاجر إلى الحبشة ضمن المهاجرين الأوائل كما ذكر ابن إسحاق. وفي صحيح البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه أن مصعب بن عمير قُتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة، فكانوا إذا غطّوا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطّوا رجليه خرج رأسه، فقال لهم النبي ﷺ: «غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر». فمن هذا الرجل الذي ترك الغنى فلم يخلف إلا ثوبًا قصيرًا اختاره النبي ﷺ ليكون أول سفير إلى المدينة.
أول من قدم المدينة
بعد بيعة العقبة الأولى، وكانت اثني عشر رجلًا من الأنصار، كما ذكر ابن إسحاق، بعث النبي ﷺ معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين. وكان يُسمى في المدينة المقرئ. وروى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، وكانا يقرئان الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ﷺ، ثم قدم النبي ﷺ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله ﷺ. وهذا الحديث صريح في أن مصعبًا وابن أم مكتوم من أوائل من قدم المدينة من المهاجرين، وأن عملهما كان تعليم القرآن.
ونزل مصعب في المدينة ضيفًا على أسعد بن زرارة من بني النجار، وكان أسعد قد أسلم في الستة الأوائل ثم في العقبة، وكان يخرج بمصعب إلى دور الأنصار ومجالسهم يدعو الناس إلى الله. وكان أسعد ابن خالة سعد بن معاذ سيد الأوس. وهذه الأخبار في سيرة ابن إسحاق، وهي مشهورة عند أهل السير.
بستان بني ظفر
قال ابن إسحاق في خبر مشهور: خرج أسعد بن زرارة بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر، فدخل به حائطًا من حوائط بني ظفر على بئر يقال لها بئر مرق، فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم. وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل وكلاهما مشرك على دين قومه. فلما سمع بهما سعد بن معاذ قال لأسيد بن حضير: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارنا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت لكفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدمًا.
فأخذ أسيد حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس أكلمه. فوقف عليهما متشتمًا، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال: أنصفت. ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن. فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله. ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين. فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ثم ركع ركعتين.
سعد بن معاذ
ثم قال لهما: إن ورائي رجلًا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ. ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد مقبلًا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت. وقد حُدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك. فقام سعد مغضبًا مبادرًا تخوفًا للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا. فلما رآهما سعد مطمئنين عرف أن أسيدًا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتمًا، ثم قال لأسعد: لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره. وقد قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان. فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن، فعرفوا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، ثم أسلم.
ثم رجع إلى قومه فقال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأوصلنا رأيًا وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة. وهذا الخبر ذكره ابن إسحاق، ونقله ابن كثير في السيرة، وإسناده من جنس أخبار السير؛ غير أنه مشهور متداول ولا يعارضه شيء في الصحيح، إلا أن بعض ألفاظه مرويّة بالمعنى.
أول جمعة في المدينة
ومما يتصل بمصعب وأسعد أن أول جمعة جُمعت في المدينة كانت قبل هجرة النبي ﷺ. روى أبو داود وابن ماجه عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبي إذا سمع الأذان يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت الأذان ترحمت لأسعد بن زرارة، قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات، قلت: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون. وقد حسّن إسناده جماعة من أهل العلم. وذكر بعض أهل السير أن مصعبًا هو الذي صلى بهم، ويمكن الجمع بأن أسعد كان الإمام وأن مصعبًا كان المعلم، والله أعلم.
العودة إلى مكة
لما جاء موسم الحج التالي رجع مصعب بن عمير إلى مكة مع جمع من مسلمي الأنصار، وبلغ عدد من وافى النبي ﷺ في العقبة سبعين رجلًا وامرأتين كما سيأتي في قصة النقباء. وكان مصعب قد ثبت في المدينة سنة كاملة تقريبًا حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا فيها رجال ونساء مسلمون، كما ذكر ابن إسحاق. وهكذا أعدّ الله بيئة الهجرة بداعية واحد شاب أحسن القول والخلق: ما أرسله النبي ﷺ بجيش ولا مال، وإنما أرسله بالقرآن وحسن الجدال، وبالإنصاف: أو تجلس فتسمع.
