Islamic MixIslamic Mix
‹ الهجرات والوفود والمراسلات
الهجرات والوفود والمراسلاتمشهورمدة القراءة نحو ٦ دقائق

ليلة العقبة الكبرى: اثنا عشر نقيبًا وسبعون مبايعًا

كعب بن مالك والبراء بن معرور وعباس بن عبادة وأسعد بن زرارة رضي الله عنهم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

سبعون يخرجون مع قومهم المشركين

يروي كعب بن مالك رضي الله عنه خبر هذه الليلة في حديث طويل رواه الإمام أحمد وابن إسحاق، وهو عمدة الباب. قال كعب: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلّينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا. فلما وجهنا لسفرنا قال لنا البراء: يا هؤلاء، إني قد رأيت والله رأيًا ما أدري أتوافقوني عليه أم لا؟ إني أرى ألا أدع هذه البنية، يعني الكعبة، مني بظهر، وأن أصلي إليها. فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا ﷺ يصلي إلا إلى الشام وما نريد أن نخالفه. فقال: إني لمصل إليها. فصلى إلى الكعبة، فلمنا عليه، وأصررنا ونحن في الطريق على خلافه حتى قدمنا مكة. وهذه من أول ما ذكره كعب في الخبر، وفيه بيان أن بعض الأنصار صلى إلى الكعبة قبل فرض القبلة بالاجتهاد، ثم بعدما قدموا سألوا النبي ﷺ فأمره بالصبر على قبلته، فصلى معنا إلى الشام. وذكر أهل العلم أن هذه الجزئية في قبلة البراء مما انفرد به هذا الحديث.

الموعد

ثم قال كعب: خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق. فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا لها رسول الله ﷺ، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا، ثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيانا العقبة، فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبًا.

قال: فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة. ونحن سبعون رجلًا ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب أم عمارة من بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي أم منيع من بني سلمة. فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له.

كلمة العباس

فلما جلسنا كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج، وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها، إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. قال: فقلنا: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.

البيعة

قال: فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم». قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيًّا لنمنعنّك مما نمنع منه أزُرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر. قال: فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالًا وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «بل الدمَ الدمَ والهدمَ الهدمَ، أنتم مني وأنا منكم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم».

وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عند أحمد أنهم سألوا: علام نبايعك يا رسول الله؟ قال: «على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة». وهذا الحديث حسّنه جماعة من أهل العلم، وهو يبين أن البيعة لم تكن للحرب فقط، بل للسمع والطاعة والإنفاق وإقامة الدين. وأما البيعة على حماية النفس والأهل فهي ما وقع في حديث كعب.

النقباء

ثم قال النبي ﷺ: «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم». فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وسمّاهم ابن إسحاق: من الخزرج أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو؛ ومن الأوس أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر، وقيل أبو الهيثم بن التيهان مكان رفاعة. وقال لهم النبي ﷺ: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي». قالوا: نعم. وفي هذا المعنى عند أحمد من حديث جابر أن النبي ﷺ جعلهم أمناء على قومهم.

صرخة الشيطان

قال كعب: فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب، هل لكم في مذمم والصباة معه، قد أجمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله ﷺ: «هذا أزَبّ العقبة، هذا ابن أزيب، اسمع أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك». ثم قال رسول الله ﷺ: «ارفضوا إلى رحالكم». فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنّ على أهل منى غدًا بأسيافنا. فقال رسول الله ﷺ: «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم». فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا.

الصباح

فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من العرب أحد أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينه منكم. فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه. وصدقوا، فإنهم لم يعلموا ما كنا فيه. قال: وجعل بعضنا ينظر إلى بعض، وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة وعليه نعلان جديدتان، فقلت كلمة كأني أريد أن أشرك القوم فيما قالوا: ما تستطيع يا أبا جابر وأنت سيد من ساداتنا أن تتخذ نعلين مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إليّ وقال: والله لتنتعلنهما. فقال أبو جابر: مه، أحفظت والله الفتى، فاردد عليه نعليه. قلت: والله لا أردهما، فأل والله صالح، لئن صدق الفأل لأسلبنّه.

ثم نفر الناس من منى فتطلبتهم قريش فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه وربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، ثم أدخلوه مكة يضربونه ويجرون شعره، حتى أنقذه جبير بن مطعم والحارث بن حرب لما كان يجير لهما من تجارتهما. هكذا في رواية ابن إسحاق. وهذا الخبر في السيرة بسند حسن للمرفوع منه، ويحتمل الخبر زيادات في الترتيب بحسب الراوي.

ثمرتها

كانت هذه البيعة نقطة التحول في تاريخ الدعوة، فبعدها أذن الله للمؤمنين بالهجرة إلى المدينة، ثم لحق بهم النبي ﷺ. وقد أنزل الله بعد ذلك الإذن بالقتال في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ كما قال ابن عباس في رواية أحمد والترمذي والنسائي إنها أول آية نزلت في القتال، وذلك لما أخرج النبي ﷺ من مكة. وهكذا بدأ المسلمون بالنقباء لا بالجيوش، وبالعهد قبل القوة.

العبرة

البيعة الصادقة بين القائد وأتباعه تقوم على الوضوح والتبعة المشتركة، والنقباء أمناء على أقوامهم، والحكمة في كتمان الأمر حتى يتم، وضبط النفس: لم نؤمر بذلك.

المصدر: مسند أحمد (حديث كعب بن مالك وحديث جابر في بيعة العقبة)؛ سيرة ابن إسحاق (ابن هشام)؛ البداية والنهاية لابن كثير؛ سنن الترمذي والنسائي (حديث ابن عباس في أول آية في القتال)؛ تفسير ابن كثير لسورة الحج

الدرجة: حديث كعب بن مالك وحديث جابر عند أحمد حسنان في الجملة؛ وأسماء النقباء وتفاصيل الواقعة من سيرة ابن إسحاق وهي مشهورة محفوظة؛ وخبر قبلة البراء بن معرور مما انفرد به الحديث، وفي عدد من الألفاظ اختلاف يسير بين الروايات