الإذن بالخروج
لما تمّت بيعة العقبة الثانية وعرفت قريش بما جرى، اشتد أذاها على المسلمين في مكة. فأذن النبي ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى المدينة، وقال لهم فيما ذكره ابن إسحاق: «إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون بها». فخرجوا أرسالًا يتسللون، وبقي النبي ﷺ ينتظر الإذن بالخروج. وفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن أول من قدم المدينة مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، ثم بلال وسعد وعمار، ثم عمر بن الخطاب في عشرين راكبًا من أصحاب رسول الله ﷺ، ثم قدم النبي ﷺ. فهذا ترتيب الوصول كما في الصحيح، ومنه ندرك أن الهجرة لم تكن حدثًا واحدًا بل مسيرًا طويلًا من القوافل الصغيرة.
موعد التناضب
ومن أشهر ما ذكره ابن إسحاق في هذا الباب أن عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل السهمي اتعدوا أن يلتقوا على مكان قرب مكة يقال له التناضب من أضاة بني غفار فوق سَرِف، وقالوا: أيّنا تخلّف عن الميعاد فقد حُبس فليمض صاحباه. فأصبح عمر وعياش بالتناضب، وحُبس عنهما هشام، وفُتن فافتتن. وقد روى ابن إسحاق هذا الخبر عن نافع عن ابن عمر عن عمر، وهو من الأخبار المتداولة في كتب السير. قال عمر في روايته: فقدمنا المدينة فنزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء.
خدعة أبي جهل
وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام، وهما أخوا عياش لأمه، حتى قدما المدينة ورسول الله ﷺ يومئذ بمكة، فكلما عياشًا وقالا له: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط ولا تستظل من شمس حتى تراك. فرق لها. فقال له عمر: يا عياش، والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت. فقال: أبرّ قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه. فقال عمر: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالًا، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما. فأبى إلا أن يخرج معهما، فلما أبى قال له عمر: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها.
فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا ابن أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى. فأناخ، وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطًا، ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن. وهكذا حُبس عياش وهشام كلاهما بمكة.
آية الرحمة
قال عمر رضي الله عنه: كنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفًا ولا عدلًا ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم، وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله فيهم، وفي قولنا لأنفسهم وقولهم لأنفسهم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. قال عمر: فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص. قال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى، أصعد بها فيه وأصوّب ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم فهمنيها. فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا. فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ وهو بالمدينة. هذا ما ذكره ابن إسحاق في رواية عن عمر، ولا يخلو إسناده من مقال لكنه معروف في كتب السير والتفسير.
دعاء النبي ﷺ للمستضعفين
وأما ثبوت أمر هؤلاء المستضعفين في دعاء النبي ﷺ فصحيح في الصحيحين: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان إذا قال: سمع الله لمن حمده، في الركعة الأخيرة من صلاة العشاء قنت فقال: «اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف». فهذا الدعاء الثابت يبين أن النبي ﷺ لم ينسَ المؤمنين المحبوسين بمكة، وأنه بقي يدعو لهم وهو في المدينة. وفي رواية أن النبي ﷺ ترك الدعاء لهم بعد حين، فسأل عن ذلك فقيل: أما تراهم قد قدموا؟ وهي في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة.
صهيب الرومي
ومن الذين أخّرتهم قريش في مكة صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه. ذكر ابن إسحاق أنه أراد الهجرة فقال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. فجعل لهم ماله، فخلوا سبيله، فخرج حتى قدم المدينة. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب». وقد روى الحاكم وغيره هذا الخبر من طرق في بعضها مقال، ونُسب إلى هذه القصة نزول قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. وقد قال بعض المفسرين إنها نزلت في صهيب، وقال آخرون إنها عامة في كل من باع نفسه لله، وإسناد النزول في صهيب مختلف فيه، فيُذكر مع التنبيه على ذلك.
بيت بني جحش الخالي
ومما ذكره ابن إسحاق من أخبار الهجرة أن بني جحش بن رئاب خرجوا جميعًا من مكة، فغلّقت دورهم، وكان فيهم أبو أحمد عبد بن جحش، وكان أعمى. قال ابن إسحاق: فمرّ بدورهم عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام وهم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر عتبة إلى الدور تخفق أبوابها يبابًا ليس فيها ساكن، فقال: أصبحت دور بني جحش خلاء تبكي على أهلها. ثم ذكر أن أبا سفيان بن حرب باع دار بني جحش من عمرو بن علقمة، فذكر عبد الله بن جحش ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارًا في الجنة خيرًا منها؟» قال: بلى. قال: «فذلك لك». وهذه الرواية ضعيفة الإسناد في أصلها، وهي تُذكر في كتب السير ولا يُحتج بها على حكم، لكن معناها ينسجم مع الثابت من أن المهاجرين تركوا ديارهم وأموالهم لله، كما قال تعالى في سورة الحشر في وصف الفقراء المهاجرين: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾.
عمر يعلن خروجه
وأما ما اشتهر على الألسنة من أن عمر بن الخطاب خرج علنًا متقلدًا سيفه متنكبًا قوسه، وطاف بالكعبة وصلى ركعتين، ثم قال لحلقات قريش: من أراد أن تثكله أمه أو يؤتم ولده أو ترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، فلم يتبعه أحد، فهو خبر ذكره بعض المؤرخين بلا إسناد صحيح، وقد ذكره بعض المتأخرين من أصحاب السير، ولم يثبت عند أهل الحديث، فلا نعتمده. والثابت أن عمر قدم في عشرين راكبًا كما في البخاري.
دروس الطريق
يُستخلص من هذه القصص أن الهجرة كانت امتحانًا لثبات الإيمان: فمنهم من حُبس ثم افتتن ثم تاب ورجع، ومنهم من فُتن في دينه فربط الله على قلبه، ومنهم من باع ماله كله ليحفظ دينه. وكلهم لحقوا برسول الله ﷺ بعد حين، وبعضهم لم يلحق إلا بعد سنين. وقد نزل بحقهم القرآن بالتبشير والرحمة، حتى لا يقنط من رحمة الله مسرف على نفسه.
