Islamic MixIslamic Mix
‹ الهجرات والوفود والمراسلات
الهجرات والوفود والمراسلاتموثّقمدة القراءة نحو ٦ دقائق

عروة بن مسعود وسفراء قريش في الحديبية ثم نص المعاهدة

النبي ﷺ وسهيل بن عمرو وعروة بن مسعود والمغيرة بن شعبة

قافلة معتمرين

خرج النبي ﷺ في ذي القعدة سنة ست قاصدًا العمرة، وخرج معه نحو ألف وأربعمئة من أصحابه، وساقوا الهدي، وأحرموا. وقد روى البخاري هذا الحديث الطويل عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وهو عمدة الباب. ومنه نعرف أن الناقة القصواء بركت في طريقها إلى مكة، فقال الناس: خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل»، ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». ثم نزلوا بالحديبية على ثمد قليل الماء، فشكا الناس العطش، فأخذ سهمًا من كنانته فأمرهم أن يجعلوه فيه، فما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.

بديل بن ورقاء

فجاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح لرسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت. فقال رسول الله ﷺ: «إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جمّوا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره». فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشًا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. فحدثهم بما قال النبي ﷺ.

عروة بن مسعود الثقفي

فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أو لست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلّحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد، اقبلوها ودعوني آتيه. قالوا: ائته. فأتاه، فجعل يكلم النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ نحوًا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوهًا وإني لأرى أوباشًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.

قال: وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ. فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غُدَر، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم. فقال النبي ﷺ: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء».

ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه، قال: فوالله ما تنخّم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدّون إليه النظر تعظيمًا له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.

الحليس ومكرز

ثم أرسلوا الحُليس بن علقمة، وكان من الأحابيش، فلما رآه النبي ﷺ قال: «هذا من قوم يتألهون فابعثوها له». فبعثت له الهدي واستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدّوا عن البيت. فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البدن قد قُلدت وأُشعرت، فما أرى أن يُصدّوا عن البيت. ثم قام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آتيه. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: «هذا مكرز وهو رجل فاجر»، فجعل يكلم النبي ﷺ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو.

سهيل بن عمرو

فلما جاء سهيل قال النبي ﷺ: «قد سهل لكم من أمركم». فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا. فدعا النبي ﷺ الكاتب، وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم». قال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ: «اكتب باسمك اللهم». ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله». فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال: «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله». وذلك لقوله: «لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها».

بنود العهد

ثم جاء في الكتاب بحسب رواية البخاري: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به»، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يُرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ وفي الروايات الأخرى عند أحمد وابن إسحاق بقية البنود: أن توضع الحرب بين الطرفين عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض؛ وأن من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد لم يردوه عليه؛ وأن بينهم «عيبة مكفوفة»، أي صدورًا نقية، وأنه «لا إسلال ولا إغلال»، أي لا سرقة ولا خيانة؛ وأن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدها؛ وأن يرجع النبي ﷺ عامه هذا فلا يدخل مكة، وأنه في العام المقبل تخرج قريش من مكة فيدخلها بأصحابه فيقيم بها ثلاثًا، لا يدخلها بسلاح إلا سلاح المسافر، السيوف في القرب.

بعد الكتاب

وبعد أن كتب الكتاب جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده، وسيأتي ذكره في قصة أبي بصير. ثم قال النبي ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، فما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا.

الفتح المبين

وفي طريق العودة نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾. فقال عمر: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: «نعم». كما في الصحيحين. وقال الزهري فيما رواه ابن إسحاق: فما كان في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحديبية، وإنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضًا، فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، فلقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. وقد تحقق ذلك: فإنهم خرجوا بألف وأربعمئة، وفي فتح مكة بعد سنتين خرجوا بعشرة آلاف.

درجة الرواية

حديث المسور ومروان في البخاري هو الأصل في هذه الوقائع، ومنه نقلنا مجريات التفاوض. أما النص المفصل لبنود الصلح فجاء متفرقًا بين البخاري ومسلم وأحمد وابن إسحاق، وتفاصيل بعضها كعيبة مكفوفة ولا إسلال ولا إغلال من رواية أحمد وابن إسحاق، وحكمها حسن في الجملة.

العبرة

من أخذ بالحكمة وقبل بظاهر الشرط لتحقيق المصلحة الكبرى جعل الله له من الصلح فتحًا؛ والتعظيم الصادق لا يخفى حتى على خصوم الدعوة.

المصدر: صحيح البخاري (كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة؛ حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم)؛ صحيح مسلم (كتاب الجهاد، صلح الحديبية)؛ مسند أحمد (حديث المسور ومروان في بنود الصلح)؛ سيرة ابن إسحاق؛ تفسير ابن كثير لسورة الفتح

الدرجة: حديث المسور ومروان في صحيح البخاري، ومنه المفاوضات وكتابة العهد؛ وزيادات البنود (عيبة مكفوفة، لا إسلال ولا إغلال، دخول خزاعة وبني بكر) من رواية أحمد وابن إسحاق وهي حسنة في الجملة