Islamic MixIslamic Mix
‹ الهجرات والوفود والمراسلات
الهجرات والوفود والمراسلاتمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

عهد نجران: ألفا حلة وأمين الأمة

وفد نجران وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

وفد النصارى في المسجد

قدم على النبي ﷺ وفد نصارى نجران، وهم أهل بلدة كبيرة في جنوب الجزيرة، بينها وبين صنعاء مسيرة أيام. ذكر ابن إسحاق وابن سعد أن الوفد كان نحو ستين راكبًا، فيهم أربعة وعشرون من أشرافهم، وأمرهم يؤول إلى ثلاثة: العاقب أمير القوم وصاحب مشورتهم، واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم. وقد دخلوا مسجد النبي ﷺ بعد العصر عليهم ثياب الحبرة وأردية مكفوفة بالحرير، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال النبي ﷺ: «دعوهم». فصلوا إلى المشرق. هذا ما ذكره ابن إسحاق، وهو مشهور في السير، وإسناده من جنس مراسيل ابن إسحاق، وفيه أدب النبي ﷺ مع ضيوفه.

الحوار والآيات

وقد حاوروا النبي ﷺ في أمر عيسى ابن مريم عليه السلام، وقالوا: هو الله، وهو ابن الله، وهو ثالث ثلاثة، وجعلوا يستدلون بمجرد أنه وُلد بلا أب. فنزل في ذلك صدر سورة آل عمران إلى نحو ثمانين آية، كما ذكر ابن إسحاق. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾، فبيّن الله أن الخلق بلا أب ليس دليل الألوهية، فآدم خُلق بلا أب ولا أم. ثم نزلت آية المباهلة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية دعا عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فقال: «اللهم هؤلاء أهلي».

النكول

روى البخاري عن حذيفة رضي الله عنه قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعنّا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلًا أمينًا ولا تبعث معنا إلا أمينًا. فقال: «لأبعثن معكم رجلًا أمينًا حق أمين». فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح». فلما قام قال رسول الله ﷺ: «هذا أمين هذه الأمة». وقد أفرد لقصة المباهلة قصة أخرى، والمقصود هنا ما بعدها.

شروط الصلح

أما نص الصلح فروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ صالح أهل نجران على ألفي حلة، النصف في صفر والبقية في رجب، يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعًا وثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم، إن كان باليمن كيد أو غدرة، على ألا تهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنوا عن دينهم ما لم يحدثوا حدثًا أو يأكلوا الربا. وإسناد هذا الحديث فيه مقال، فقد ضعّفه جماعة لانقطاعه، لكن مضمونه مشهور في كتب الخراج والسير.

وروى أبو يوسف في الخراج وابن سعد في الطبقات نصًّا أطول لهذا الأمان، جاء فيه: «ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم وصلواتهم، لا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا واقه عن وقهيته، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، وليس عليهم دنية ولا دم جاهلية، ولا يحشرون ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم جيش». وهذا النص مشهور في كتب الخراج، ولكن أسانيده ضعيفة، فيُذكر على أنه من أخبار السير، ولا يُحتج به منفردًا.

سؤال المغيرة

ومن أخبار نجران ما رواه مسلم عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران، فقالوا لي: ألستم تقرؤون ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ وقد كان بين موسى وعيسى ما كان؟ فلم أدر ما أجيبهم، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم». وهذا الحديث يبين أن النبي ﷺ بعث إليهم، وأن أهل نجران كانوا يناظرون المسلمين بجد ويطرحون الأسئلة، وأن النبي ﷺ علّم أصحابه كيف يجيبون.

أبو عبيدة في نجران

ثم بعث النبي ﷺ أبا عبيدة مع الوفد، كما في البخاري، وذكر أهل السير أنه كان لقبض المال والقضاء بينهم. وكان ذلك دليلًا على أن العلاقة مع أهل الكتاب تقوم على العهد والجزية والأمان والعدل في القضاء، لا على الإكراه. قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. وفي عهد عمر رضي الله عنه ذُكر أن أهل نجران نقلوا إلى العراق لأسباب ذكرها المؤرخون، وكتب لهم عمر كتابًا بحقوقهم، وهو أيضًا من أخبار الخراج وفي إسناده مقال.

الخلاصة

نجران وفدت إلى المدينة وتناظرت وأقامت الصلاة في المسجد، ثم عادت على عهد وجزية. وفي هذه الوفادة أخلاق النبي ﷺ في استقبال المخالف، ودقة القرآن في الرد، وصدق النبي ﷺ في الدعوة إلى المباهلة، ثم أمانته في اختيار من يرسل معهم، فكان أبو عبيدة أمين هذه الأمة.

العبرة

الدعوة تقوم على الحوار والحجة والإحسان في استقبال المخالف، وعند العجز عن الحجة يُرجَع إلى المباهلة، والعهد يحفظ الدين والمال لأهل الكتاب بشروطه.

المصدر: صحيح البخاري (حديث حذيفة في العاقب والسيد وأبي عبيدة)؛ صحيح مسلم (حديث سعد بن أبي وقاص في المباهلة؛ حديث المغيرة بن شعبة في نجران)؛ سنن أبي داود (صلح نجران من حديث ابن عباس)؛ سيرة ابن إسحاق؛ الخراج لأبي يوسف؛ طبقات ابن سعد؛ تفسير ابن كثير لسورة آل عمران

الدرجة: حديث حذيفة في البخاري وحديث المغيرة وحديث سعد في مسلم؛ وصلح الألفي حلة في أبي داود وإسناده فيه مقال؛ وتفصيل أسماء الوفد ونص الأمان المطول في كتب السير والخراج بأسانيد ضعيفة