بعد حصار الطائف
بعد غزوة حنين حاصر النبي ﷺ الطائف، فلم يفتحها، وانصرف عنها. وأصحابه يطلبون منه أن يدعو على ثقيف، فقال: «اللهم اهد ثقيفًا وائت بهم». رواه الترمذي من حديث جابر رضي الله عنه وحسّنه. وكان عروة بن مسعود الثقفي، وهو من الذين رأيناهم في الحديبية يصف طاعة أصحاب النبي ﷺ له، غائبًا عن الطائف أيام الحصار، فقد ذكر ابن إسحاق أنه وغيلان بن سلمة كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمنجنيق والضبور. فلما رجع النبي ﷺ من الطائف أدركه عروة قبل أن يصل المدينة، فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام.
عروة يدعو قومه
قال ابن إسحاق: فقال له رسول الله ﷺ: «إنهم قاتلوك»، وعرف أن فيهم نخوة الامتناع الذي كان فيهم. فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبصارهم. وكان فيهم محببًا مطاعًا. فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على علية له وقد دعاهم إلى دينه وأظهر لهم الإسلام رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله. فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي، فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم. فدفنوه معهم. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال فيه: «إن مثله في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه». هذا ما رواه ابن إسحاق، وفي إسناده انقطاع، ويُروى بصيغة التمريض لقول ابن إسحاق «فزعموا».
ثقيف تفكر
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرًا، ثم ائتمروا بينهم ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا. فكلموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير وكان في سن عروة، فعرضوا عليه أن يرسلوه إلى النبي ﷺ، فأبى أن يفعل إلا أن يرسلوا معه رجالًا، فبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك، فكانوا ستة، فيهم عثمان بن أبي العاص بن بشر وكان أحدثهم سنًّا. فلما دنوا من المدينة ولقيهم المغيرة بن شعبة وهو يرعى في نوبته الإبل، فلما رآهم ذهب يشتد ليبشر رسول الله ﷺ بقدومهم، فلقيه أبو بكر فأخبره، فأقسم عليه ألا يسبقه إلى رسول الله ﷺ حتى يكون هو الذي يبشره. ففعل. ثم خرج المغيرة فعلمهم كيف يحيون رسول الله ﷺ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية.
الخيمة في المسجد
وروى أبو داود بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﷺ أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم. واشترطوا على النبي ﷺ ألا يحشروا ولا يعشروا ولا يُجبّوا ولا يُستعمل عليهم غيرهم. فقال رسول الله ﷺ: «لكم ألا تحشروا ولا تعشروا، ولا خير في دين ليس فيه ركوع». وفي هذا أن النبي ﷺ ضرب لهم الخيمة في المسجد، وتحمل منهم ما لا تتحمله الجاهلية، ثم رد عليهم بحسم أن لا إسلام بلا صلاة.
اللات
وذكر ابن إسحاق أن وفد ثقيف جعلوا يسألون النبي ﷺ أن يترك لهم اللات، وهي صنم الطائف، ثلاث سنين لا يهدمها، فأبى عليهم، فسألوه سنة، فأبى، ثم تدرجوا إلى شهر بعد قدومهم، فأبى أن يدع لهم شيئًا مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. فأبى عليهم إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدمانها. وسألوه ألا يصلوا، فقال: «لا خير في دين لا صلاة فيه». وقالوا: يا رسول الله، أما نحن فسنؤتيكها وإن كانت دنية.
قال ابن إسحاق: فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابهم أمّر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان من أحدثهم سنًّا، وذلك أنه كان أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن. وقال عثمان: كان آخر ما عهد إلي رسول الله ﷺ حين بعثني على ثقيف قال: «يا عثمان، تجاوز في الصلاة، واقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والسقيم والبعيد وذا الحاجة». رواه أبو داود وأحمد ومسلم وهو حديث صحيح.
هدم اللات
ولما قدم الوفد وأسلم أهل الطائف بعث النبي ﷺ أبا سفيان والمغيرة. فلما دخلا الطائف قام المغيرة يعلو اللات بالمعول، وقام دونه بنو معتب خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسرًا يبكين عليها. وجعل المغيرة يقول لأصحابه: لأضحكنكم منها. ثم ضربها بالمعول فسقط كأنه صُرع، فارتج أهل الطائف بصيحة، وقالوا: أبعد الله المغيرة، قتلته الربة. فوثب المغيرة وقال: قبحكم الله يا ثقيف، إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه. ثم هدمها وأخذ ما عليها من الحلي. هذا ما ذكره ابن إسحاق ورواه ابن سعد، وهو خبر مشهور في كتب السير.
ثقيف بعد الإسلام
وذكر أهل السير أن ثقيفًا ثبتت على الإسلام لما ارتدت قبائل من العرب بعد وفاة النبي ﷺ، وأن عثمان بن أبي العاص خاطبهم قائلًا: يا معشر ثقيف، كنتم آخر العرب إسلامًا فلا تكونوا أولهم ردة. وهذا الخبر ذكره الطبري وغيره بإسناد فيه مقال، لكنه مشهور.
الدروس
انتهت قصة هذه القبيلة التي ردت النبي ﷺ ورمته بالحجارة، ثم قتلت أحد رجالها وهو يدعوها، ثم جاءت بنفسها تطلب الإسلام. كل ذلك مصداق دعاء النبي ﷺ: «اللهم اهد ثقيفًا وائت بهم». وكان أولى بالنبي ﷺ أن يدعو عليهم لكنه دعا لهم، فاستجاب الله.
