Islamic MixIslamic Mix
‹ الهجرات والوفود والمراسلات
الهجرات والوفود والمراسلاتمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

وفد عبد القيس: بين الأشج وجواثى

الأشج العصري ووفد عبد القيس رضي الله عنهم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من البحرين

عبد القيس قبيلة عربية كبيرة من ربيعة كانت منازلها في البحرين (شرق الجزيرة العربية)، على الخليج. وكان إسلامهم قديمًا، حتى إن أول جمعة بعد جمعة المدينة أُقيمت في مسجد منهم، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: «إن أول جمعة جُمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين». وجواثى حصن أو قرية لهم، وفي هذا بيان لقدم إسلام هذه القبيلة ولحرصهم على الجماعة.

قدوم الوفد

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ قال: «من القوم؟ أو من الوفد؟» قالوا: ربيعة. قال: «مرحبًا بالقوم، أو بالوفد، غير خزايا ولا ندامى». فقالوا: يا رسول الله إنا نأتيك من شقة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة. فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع.

أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس». ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير، وفي رواية: والمقيّر. وقال: «احفظوه وأخبروه من وراءكم». وهذا أصح ما ورد في قصتهم وفيه أن الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والخمس أركان الإسلام العملية التي علمها النبي ﷺ لوفد جاء من بعيد.

الأشج

وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال للأشج أشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة». قال: يا رسول الله أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: «بل الله جبلك عليهما». قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله. واسم الأشج المنذر بن عائذ على قول، وقيل المنذر بن الحارث، وسمي الأشج لأثر جرح كان في وجهه. وفي هذا الحديث صفة للأشج ثابتة، وجاء في روايات أخرى عند أحمد وأبي داود أنه تأنى وأخّر مجيئه إلى النبي ﷺ حتى جمع الرحال وعقل راحلته ولبس أحسن ثيابه ثم أقبل، فقال النبي ﷺ ما قال. وهذه الزيادة في إسنادها مقال، لكنها تفسر الحلم والأناة المقصودين.

وصف الحلم والأناة

قال أهل العلم: الحلم هو العقل وضبط النفس عند الغضب، والأناة هي التثبت وترك العجلة في الأمور. ولا يعارض ذلك ما ورد من الأمر بالمسارعة إلى الخيرات، فإن الأناة المحمودة هي التي تكون في أمور المعاش والحكم والمعاملات، أما الطاعات فيسارع إليها. وقد قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: «الأناة من الله والعجلة من الشيطان» رواه الترمذي وحسّنه. ويُستدل بقصة الأشج على أن الأخلاق الجميلة قد تكون فطرية وقد تُكتسب، وأن الله يحب من عباده أن يكونوا على الخلق الحسن، وأن الحمد على الخلق الحسن من الأدب.

عن الأوعية

ومما نهى عنه النبي ﷺ في هذه الوفادة الدباء والحنتم والمزفت والنقير، وهي أوعية كانوا ينتبذون فيها، فقد كانت تسرع إليها الشدة وتخمر دون أن يشعر الناس. فنهى عنها حسمًا للذريعة. ثم نسخ النبي ﷺ هذا النهي، فقال في صحيح مسلم من حديث بريدة: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرًا». فتبيّن أن العلة هي الإسكار لا الوعاء، وأن النهي كان للتدرج عند تحريم الخمر.

وفي أي شيء نشرب

وتتمة الحديث في صحيح مسلم من حديث ابن عباس أن الوفد سألوا النبي ﷺ لما نهاهم عن تلك الأوعية: ففيم نشرب يا نبي الله؟ قال: «في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها». قالوا: يا نبي الله، إن أرضنا كثيرة الجرذان لا تبقى بها أسقية الأدم. فقال النبي ﷺ: «وإن أكلتها الجرذان؟ وإن أكلتها الجرذان؟ وإن أكلتها الجرذان؟» ثلاثًا. وقال النبي ﷺ لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة». فهذا السياق من رواية مسلم يجمع بين مسألة الأوعية ومدح الأشج في موضع واحد، وفيه أن الوفد سألوا ليتفقهوا في أمر شرابهم، وأن النبي ﷺ أثنى على كبيرهم في المجلس نفسه.

الوفود الأخرى

وذكر أهل السير أن لعبد القيس وفادة بعد ذلك مع الجارود بن عمرو بن حنش العبدي، وكان نصرانيًّا فأسلم وحسن إسلامه. وعاد إلى قومه، فلما ارتد كثير من العرب بعد وفاة النبي ﷺ ثبت الجارود في قومه، وخطب فيهم: أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومن لم يشهد بذلك كفرناه. وهذا الخبر ذكره الطبري وغيره في أخبار الردة، وسنده فيه مقال، ويُذكر باعتباره من أخبار التاريخ.

فوائد القصة

دلت هذه الوفادة على حرص الناس على العلم من مصدره، فقطع الوفد مسافة طويلة وخاطر في شهر حرام ليتعلم أمور الدين ويعود بها إلى قومه. ودلت على حسن استقبال النبي ﷺ للوفود: «مرحبًا بالقوم غير خزايا ولا ندامى». ودلت على أن الإيمان قول وعمل، فجمع بين الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والخمس. ودلت على أن من الأخلاق ما يحبه الله، كالحلم والأناة، وأنه ينبغي للمسلم أن يجتهد في اكتسابها.

العبرة

الحلم والأناة خلقان يحبهما الله ورسوله، ومن جاء يطلب العلم من بعيد استحق الترحيب والتبشير.

المصدر: صحيح البخاري (حديث ابن عباس في وفد عبد القيس؛ وحديث أول جمعة في جواثى)؛ صحيح مسلم (حديث ابن عباس؛ وحديث أبي سعيد في الأشج؛ وحديث بريدة في الانتباذ)؛ سنن الترمذي (الأناة من الله)؛ تاريخ الطبري (الردة)

الدرجة: حديث ابن عباس في وفد عبد القيس متفق عليه، وحديث الأشج في مسلم، وحديث جواثى في البخاري؛ وزيادة تأخر الأشج وتجمله في إسنادها مقال؛ وخبر الجارود في الردة من أخبار التاريخ بأسانيد ضعيفة