سبب القدوم
بنو تميم من أكبر قبائل العرب وأكثرها عددًا، وكانت منازلهم بنجد وما حولها. وذكر ابن إسحاق في السيرة أن النبي ﷺ بعث عيينة بن حصن الفزاري في خمسين فارسًا إلى بني العنبر من تميم، فأخذ منهم أسرى من الرجال والنساء والصبيان، وقدم بهم المدينة. فجاء في طلبهم وفد من أشراف بني تميم، منهم عطارد بن حاجب بن زرارة، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأهتم، والأقرع بن حابس، ورباح بن الحارث. وهذا الخبر في السيرة، وهو مشهور، ومن حيث الإسناد فمن مراسيل ابن إسحاق.
النداء من وراء الحجرات
قال ابن إسحاق: فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته: أن اخرج إلينا يا محمد. فآذى ذلك رسول الله ﷺ من صياحهم، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا. فقال: «قد أذنت لخطيبكم فليقل». فأنزل الله فيهم قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. وفي رواية الإمام أحمد والترمذي عن البراء أن رجلًا قال: يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين، فقال النبي ﷺ: «ذاك الله عز وجل». وقد قيل إن القائل هو الأقرع بن حابس. وقد وردت هذه الرواية بإسناد حسن عند الترمذي.
المفاخرة
فقام عطارد بن حاجب فخطب، وذكر فضل قومه وكثرة عددهم وأنهم ملوك العرب وأرباب الأموال، وقال إنهم لو شاؤوا لأكثروا الكلام. فقال النبي ﷺ لثابت بن قيس بن شماس: «قم فأجب الرجل في خطبته». فقام ثابت فحمد الله وذكر أن الله خلق السماوات والأرض وقضى فيهن أمره، ثم ذكر أنه بعث رسولًا منهم، أكرمهم نسبًا وأصدقهم حديثًا وأفضلهم حسبًا، وأنزل عليه كتابه، وأن المهاجرين من قومه ثم الأنصار نصروا الله ورسوله، وأنهم يقاتلون الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. وهذه الخطبة مرويّة عن ابن إسحاق بالمعنى، ونحن نذكر مضمونها ولا نجزم بألفاظها.
ثم قام الزبرقان بن بدر وأنشد أبياتًا في الفخر، فقال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: «قم فأجبه». فقام حسان فأجابه بأبيات في فضل الأنصار وفضل رسول الله ﷺ، ودعا فيها قوم الزبرقان إلى الإسلام. فلما فرغ حسان من قوله قال الأقرع بن حابس: وأبي إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا. فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم، وردّ عليهم أسراهم ونساءهم. وهذا كله من رواية ابن إسحاق وغيره في كتب السير.
رفع الصوت بين أبي بكر وعمر
ومن أخبار وفد بني تميم ما رواه البخاري عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ، فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد بن زرارة. وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. قال ابن الزبير: فما كان عمر يُسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه. ووقع في بعض الروايات اختلاف في تعيين من أشار بمن، والمتفق عليه أن الآية نزلت في هذه الواقعة.
ثابت بن قيس
ولما نزلت الآية أصاب ثابت بن قيس، وكان جهير الصوت، خوف شديد، كما روى البخاري عن أنس: فجلس في بيته وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ. ففقده النبي ﷺ وسأل عنه، فأتاه رجل فذكر له قول رسول الله ﷺ، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ فأنا من أهل النار. فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «بل هو من أهل الجنة». وقد وقع في بعض روايات الحديث تسمية السائل سعد بن معاذ، وهو مشكل لأن سعدًا توفي قبل هذه الواقعة، ولذلك رجّح بعض العلماء أنه سعد بن عبادة. وفي هذا إثبات بشارة النبي ﷺ لثابت، وبيان أن خشية الصحابة من إحباط العمل بسبب رفع الصوت كانت خشية صادقة.
ثناء النبي ﷺ على تميم
وأما ثناء النبي ﷺ على بني تميم فقد جاء في صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ: سمعته يقول: «هم أشد أمتي على الدجال». قال: وجاءت صدقاتهم، فقال النبي ﷺ: «هذه صدقات قومنا». وكانت سبية منهم عند عائشة، فقال رسول الله ﷺ: «أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل». وقد روى البخاري هذا الحديث في كتاب العتق وفي المغازي. وفيه منقبة لبني تميم وفيه دليل على أن النبي ﷺ يعطي كل قوم حقهم ولا يمنعهم فضلهم ولو أساؤوا في أول الأمر.
المنزلة والعبرة
إن ما جرى من بني تميم في أول الأمر من الجفاء ونداء النبي ﷺ من وراء الحجرات لم يمنع النبي ﷺ من أن يستقبلهم ويسمع لخطيبهم ويأذن لشاعرهم ويرد عليهم أسراهم. ثم أخذت تميم مكانها في الإسلام، وشهدوا الفتوحات، وهم أشد أمتي على الدجال كما أخبر النبي ﷺ. وبقيت آيات الحجرات أدبًا للأمة في توقير النبي ﷺ، لا يُرفع الصوت عند قبره ولا عند سنته، ولا يقدَّم قول أحد على قوله، قال العلماء: ومن رفع صوته على حديثه ﷺ وهو يُقرأ فقد أخطأ الأدب. وقال ابن كثير في تفسيرها: إن الله نهى المؤمنين عن أن يتقدموا بين يديه في القول والفعل، وأمرهم بالاتباع.
درجة الخبر
نبّه هنا على أن الذي رواه البخاري ومسلم ثابت لا خلاف فيه: أن الآيات نزلت في بعض ما جرى مع وفد تميم، وثناء النبي ﷺ على تميم، وخبر ثابت بن قيس. وأما تفاصيل الخطبة والشعر ومفاخرتهم فمن ابن إسحاق، وهي من الأخبار المشهورة التي تُروى بلا إسناد صحيح، ولا بأس بروايتها على سبيل السيرة.
