هدم الفُلس
كان لطيء، وهي قبيلة عربية كبيرة في جبلي أجأ وسلمى بنجد، صنم يقال له الفلس. ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ربيع الآخر سنة تسع في مئة وخمسين من الأنصار على مئة بعير وخمسين فرسًا، ومعه راية سوداء ولواء أبيض، ليهدم الفلس. فشنوا الغارة على حاضر حاتم مع الفجر فهدموا الفلس وملأوا أيديهم سبيًا ونعمًا وشاءً، وفي السبي أخت عدي بن حاتم. وكان عدي بن حاتم، وهو رئيس قومه، قد هرب إلى الشام لما سمع بمجيء جيش النبي ﷺ، وخلّف ابنة حاتم في الحاضر. وهذا خبر ثابت في السير، وسياقه عن ابن إسحاق وابن سعد.
ما كان عدي عليه
يحكي عدي نفسه ما كان عليه قبل الإسلام، في رواية الإمام أحمد وابن إسحاق: ما كان رجل من العرب أشد كراهية لرسول الله ﷺ حين سمع به مني. أما أنا فكنت امرأً شريفًا، وكنت نصرانيًّا، وكنت أسير في قومي بالمرباع، فكنت في نفسي على دين، وكنت ملكًا في قومي لما كان يُصنع بي. فلما سمعت برسول الله ﷺ كرهته، فقلت لغلام لي كان راعيًا لإبلي: لا أبا لك، أعدد لي من إبلي أجمالًا ذللًا سمانًا فاحبسها قريبًا مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني. فلما جاءت خيله احتملت بأهلي وولدي ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام، فسلكت الجؤشية، وخلفت بنتًا لحاتم في الحاضر. وهذا الحديث رواه ابن إسحاق ثم أحمد وغيرهما، وإسناده فيه مقال، لكن عدي نفسه يحكيه.
سفانة بنت حاتم
قال ابن إسحاق: فأصابت خيل رسول الله ﷺ ابنة حاتم فيمن أصابت، فقدموا بها على رسول الله ﷺ في سبايا طيء، وقد بلغ رسول الله ﷺ هرب عدي إلى الشام، فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس بها. فمر بها رسول الله ﷺ فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة، فقالت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليّ منّ الله عليك. قال: «ومن وافدك؟» قالت: عدي بن حاتم. قال: «الفار من الله ورسوله؟» قالت: ثم مضى وتركني، حتى إذا كان الغد مر بي فقلت له مثل ذلك، فقال لي مثل ما قال بالأمس، حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست، فأشار إلي رجل من خلفه أن قومي فكلميه، فقمت فقلت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي منّ الله عليك. فقال: «قد فعلت، فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك، ثم آذنيني». فسألت عن الرجل الذي أشار إلي أن كلميه، فقيل لي: علي بن أبي طالب. وأقمت حتى قدم ركب من بلي أو قضاعة، فجئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ. فكساني رسول الله ﷺ وحملني وأعطاني نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام.
قالت: فأتيت أخي فلما رآني قال: القاطعة الظالمة، احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك وعورته. قلت: يا أخي لا تقل إلا خيرًا، فوالله ما لي من عذر، لقد صنعت ما ذكرت. ثم نزلت فأقمت عنده، فقلت له، وكان رجلًا حازمًا: ماذا ترى في أمر هذا الرجل؟ قال: أرى والله أن تلحق به سريعًا، فإن يكن الرجل نبيًّا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكًا فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت. قلت: والله إن هذا للرأي. وهذا الخبر من رواية ابن إسحاق، ومشهور في السير، وفيه إشارة إلى إحسان النبي ﷺ لأخت رجل كان فارًّا منه، وإلى أن بعض الناس يدخل الإسلام بعقل وحزم.
عدي عند النبي ﷺ
فخرج عدي حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخل عليه وهو في مسجده، فسلم عليه، فقال: «من الرجل؟» فقال: عدي بن حاتم. فقام رسول الله ﷺ وانطلق به إلى بيته، فوالله إنه لعامد به إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلًا تكلمه في حاجتها، قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بملك. ثم مضى بي حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفًا فقذفها إلي فقال: «اجلس على هذه». قلت: بل أنت فاجلس عليها. قال: «بل أنت». فجلست وجلس رسول الله ﷺ بالأرض. قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك.
ثم قال: «إيهًا يا عدي بن حاتم، ألم تكن ركوسيًّا؟» قلت: بلى. قال: «أولم تكن تسير في قومك بالمرباع؟» قلت: بلى. قال: «فإن ذلك لا يحل لك في دينك». قلت: أجل والله. وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل. ثم قال: «لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه. ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف. ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم». قال: فأسلمت.
الصليب والأرباب
وروى الترمذي بإسناد حسن عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك». قال: فطرحته، وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ قال: قلت: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم. قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟» قال: قلت: بلى. قال: «فتلك عبادتهم». وهذا الحديث أصل في بيان أن طاعة العلماء والرؤساء في تحليل الحرام وتحريم الحلال هي عبادة لهم من دون الله، وقد فسّر به المفسرون هذه الآية.
وعد تحقق
وفي صحيح البخاري عن عدي بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا قطع السبيل. فقال: «يا عدي، هل رأيت الحيرة؟» قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها. قال: «فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله». قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيء الذين قد سعّروا البلاد؟ «ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى». قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه». قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ: يخرج ملء كفه. وقد ذكر بعض العلماء أن الثالث وقع في زمن عمر بن عبد العزيز.
ثبات عدي
وذكر الطبري في أخبار الردة أن عديًّا ثبت على الإسلام لما ارتدت قبائل من العرب وأن قومه من طيء رجعوا إلى الإسلام على يده، وأنه جاء بصدقات قومه إلى أبي بكر رضي الله عنه. وهذا مما ذكره المؤرخون، وفي إسناده مقال، لكن اتفاقهم عليه مشهور. فصار عدي ثابتًا على الإسلام بعدما كان من أشد الناس كراهية له.
فوائد
من هذه القصة: أن النبي ﷺ أحسن إلى سفانة بنت حاتم وهي أسيرة ابنة رجل مشهور بالكرم، فكان إحسانه إليها سببًا في إسلام أخيها. وأن عديًّا استدل على النبوة بتواضع النبي ﷺ وإنصاته لامرأة ضعيفة. وأن النبي ﷺ أخبر بغيبيات تحققت، منها فتح كنوز كسرى وأمن الطريق إلى مكة.
