كتاب ملوك حمير
لما رجع النبي ﷺ من تبوك جاءه كتاب ملوك حمير بإسلامهم، وكانوا من أعظم ملوك اليمن، منهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان، وبعثوا بكتابهم مع رسول لهم هو مالك بن مرة الرهاوي، فيما ذكر ابن إسحاق. فكتب إليهم رسول الله ﷺ كتابًا نقله ابن هشام عن ابن إسحاق، وفيه بمعناه: أنه بلغه إسلامهم وقتلهم المشركين، وأن الله هداهم إن أصلحوا وأطاعوا الله ورسوله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأعطوا من المغانم خمس الله وسهم النبي، وأن من أسلم من يهودي أو نصراني فله ما للمؤمنين وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يُفتن عنها، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف. وفي هذا أن النبي ﷺ لم يكره أهل الكتاب في اليمن على الإسلام وفرض عليهم الجزية. وهذا النص وارد في سيرة ابن هشام، وقد رُوي من وجوه أخرى بألفاظ فيها اختلاف، وإسناده لا يخلو من مقال.
وأرسل النبي ﷺ إلى اليمن معاذ بن جبل رضي الله عنه وأمره بتعليم الناس وجمع الصدقات والقضاء بينهم. وأوصاه فيما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
يسّرا ولا تعسّرا
وبعث النبي ﷺ أبا موسى الأشعري ومعاذًا إلى اليمن، وقال لهما كما في الصحيحين من حديث أبي موسى: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا». وقد أخبر أبو موسى أن لهم هناك شرابًا يسمى البتع (من العسل) والمزر (من الشعير)، فقال: «كل مسكر حرام». وهذا في البخاري. ومن أخبار اليمن أن معاذًا لما زار أبا موسى وجد عنده رجلًا قد أسلم من اليهودية ثم تهود، فقال معاذ: لا أنزل حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات، فأمر به فقتل. وهذا مروي في صحيح البخاري، وهو في حكم المرتد.
وأما حديث معاذ في الاجتهاد، الذي فيه أن النبي ﷺ سأله: «بم تحكم؟» فقال: بكتاب الله. قال: «فإن لم تجد؟» قال: فبسنة رسول الله. قال: «فإن لم تجد؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله»، فهو حديث مشهور في كتب الأصول وفي السنن، لكن أكثر المحدثين ضعّفوا إسناده، لأن راويه عن رجال من أهل حمص لم يسمّوا. فلا نثبته، وإن كان معناه موافقًا للأصول.
بشرى لأهل اليمن
وأما الأشعريون فهم قبيلة من اليمن قدمت على النبي ﷺ. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا، الإيمان يمان والحكمة يمانية». وروى البخاري عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار». وروى مسلم أن النبي ﷺ قال: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم».
قبلنا يا رسول الله
وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: جاء نفر من بني تميم إلى النبي ﷺ، فقال: «اقبلوا البشرى يا بني تميم». قالوا: بشّرتنا فأعطنا. فتغير وجهه. فجاءه أهل اليمن، فقال: «اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم». قالوا: قبلنا يا رسول الله. قالوا: جئناك لنسألك عن هذا الأمر. قال: «كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء». وفي هذا الحديث أن أهل اليمن قبلوا البشرى وسألوا عن بدء الخلق، فعلّمهم النبي ﷺ ما لم يعلموا. وهذا من أصح الأحاديث في بدء الخلق.
همدان
ومن أحسن ما ورد في اليمن ما رواه البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، فكنت فيمن خرج مع خالد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالدًا إلا رجلًا ممن كان مع خالد أحب أن يعقّب مع علي فليعقّب معه. قال البراء: فكنت فيمن عقّب مع علي، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي ثم صفنا صفًّا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ، فأسلمت همدان جميعًا، فكتب علي إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرّ ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: «السلام على همدان، السلام على همدان». وقد ذكر ابن حجر أن زيادة السجود رواها البيهقي بإسناد صحيح.
الإيمان يمان
وليس معنى «الإيمان يمان» أن الإيمان محصور في اليمن، بل هو ثناء على أهلها بأنهم سارعوا إلى الإسلام ولانت قلوبهم له، قال العلماء: وهو عام في أهل اليمن في زمانه ﷺ، ويدخل فيهم الأنصار عند بعض أهل العلم لأن أصلهم من اليمن. والمهم في الأمر أن اليمن دخلت الإسلام في حياة النبي ﷺ بالحجة والدعوة والكتاب، وأن النبي ﷺ ربّاهم على التيسير والتبشير، وأوصى عماله بتقوى الله وبالعدل وحذّرهم من دعوة المظلوم.
درجة الروايات
جميع الأحاديث المذكورة من رواية الصحيحين إلا ما نبهنا عليه: كتاب ملوك حمير من السيرة (ابن هشام) وفي إسناده مقال، وحديث معاذ في الاجتهاد ضعيف الإسناد، وزيادة السجود لهمدان رواها البيهقي بإسناد صحيح.
